الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
اتحاد طنجة لكرة اليد يراهن على تثبيت أقدامه بالقسم الممتاز واستعادة بريقه
تقرير

أزمة سبتة تعيد ملف السيادة إلى الواجهة.. مدريد ترفض التفاوض مع الرباط وتواجه تداعيات إنسانية وأمنية متصاعدة

أزمة سبتة تعيد ملف السيادة إلى الواجهة.. مدريد ترفض التفاوض مع الرباط وتواجه تداعيات إنسانية وأمنية متصاعدة

البوصلة – متابعة

تتجه أزمة سبتة، التي تفجرت عقب موجة الدخول الجماعي للمهاجرين يومي 30 و31 يوليوز الماضي، نحو مزيد من التعقيد، بعدما تداخلت تداعياتها الإنسانية والأمنية مع سجال سياسي ودبلوماسي متجدد بين المغرب وإسبانيا بشأن مستقبل المدينة، في وقت تؤكد فيه مدريد تمسكها بسيادتها على سبتة ومليلية ورفضها فتح أي نقاش مع الرباط حول وضعهما، مقابل استمرار تأكيد مسؤولين إسبان على أهمية التعاون مع المغرب لاحتواء الهجرة ومنع تكرار الأزمة.

وفي أحدث مواقف الحكومة الإسبانية، قال وزير الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون، خوسيه مانويل ألباريس، أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الإسباني، إن سبتة ومليلية تشكلان، وفق الموقف الرسمي لمدريد، جزءا من إسبانيا والاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن حكومته “لن تتفاوض أبدا” مع المغرب بشأن السيادة على المدينتين. وأوضح أن الاتصالات الدبلوماسية مع الرباط مستمرة، وأن الحوار بين البلدين كان حاسما في تدبير تداعيات موجة الدخول الجماعي وإعادة غالبية الأشخاص الذين دخلوا إلى المدينة.

ويأتي هذا التشدد في ملف السيادة في سياق تصريحات سابقة لوزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، أكد فيها تمسك المغرب بحقوقه التاريخية والجغرافية في سبتة ومليلية، داعيا إلى إنشاء آلية للحوار بين الرباط ومدريد من أجل الوصول إلى حل نهائي بشأن المدينتين. وأثارت هذه التصريحات نقاشا واسعا داخل إسبانيا، خصوصا لدى أحزاب المعارضة، التي اتهم بعضها حكومة بيدرو سانشيز بالتساهل مع المغرب وربط الاستقرار في سبتة بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي الوقت الذي شدد فيه ألباريس على رفض مدريد أي نقاش بشأن السيادة، سعى وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان، فيليكس بولانيوس، إلى نفي الاتهامات التي وجهتها بعض قوى المعارضة إلى المغرب بشأن الوقوف وراء موجة الدخول الجماعي. وقال أمام اللجنة المختلطة للأمن القومي بمجلس النواب إنه لا توجد أدلة تثبت أن الرباط “قادت أو دفعت أو وجهت” العملية التي شهدتها سبتة، منتقدا توجيه اتهامات خطيرة إلى المغرب من دون أدلة، ومعتبرا أن التعاون مع المملكة يظل ضروريا بحكم الجوار.

وبحسب الرواية الحكومية الإسبانية، دخل إلى سبتة خلال الأزمة عشرات الآلاف من الأشخاص، قبل أن يعود معظمهم إلى المغرب خلال فترة وجيزة. فقد تحدث بولانيوس عن نحو 70 ألف شخص، فيما رفع وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، التقدير إلى نحو 72 ألفا. وقال ألباريس إن ما لا يقل عن 90 في المائة من المهاجرين عادوا خلال الـ48 ساعة الأولى، في وقت تواصل فيه السلطات الإسبانية عمليات العودة والتدبير القانوني لمن بقي في المدينة.

غير أن حجم الأزمة لا يزال موضع خلاف سياسي داخل إسبانيا. فوزارة الداخلية قدرت عدد المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة بنحو خمسة آلاف شخص، بينهم حوالي 1500 قاصر، بينما شككت المعارضة في هذه الأرقام، إذ اعتبر النائب عن الحزب الشعبي خافيير سيلايا أن العدد الفعلي قد يقترب من 20 ألفا، مستندا إلى معطيات مرتبطة بتوزيع المساعدات الإنسانية. أما حزب “فوكس” فذهب أبعد من ذلك، متهما الحكومة بإخفاء حجم الأزمة وربط ما حدث بما وصفه بـ”حرب هجينة” يقف وراءها المغرب، وهي اتهامات لم تقدم الحكومة الإسبانية، بحسب تصريحات بولانيوس، أدلة تثبتها.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب السياسي أو الهجرة، إذ بدأت آثارها تظهر أيضا في الملفات الأمنية والقضائية والاجتماعية. فقد أعلنت النيابة العامة الإسبانية تسجيل 16 اعتداء جنسيا في سبتة، أسفرت عن 17 ضحية، معظمهن نساء وقاصرات، من بينهن ست قاصرات تتراوح أعمارهن بين 14 و17 سنة. وأفادت المعطيات بأن 14 من الضحايا يوجدن في وضعية غير نظامية ودخلن المدينة ابتداء من 30 يوليوز، بينما تم تحديد ثلاثة مشتبه فيهم، اثنان منهم إسبانيان والثالث أجنبي مقيم في إسبانيا، مع استمرار التحقيقات لتحديد باقي المتورطين.

وأمام الضغط الذي تواجهه المدينة، تحركت السلطات الإسبانية لتوفير موارد إضافية لرعاية القاصرين المهاجرين غير المصحوبين. فقد صادقت السلطات على تخصيص 25 مليون يورو لتغطية نفقات الإيواء والنقل والغذاء والملابس والدعم القانوني والرعاية الطبية والمواكبة الاجتماعية والتربوية والترجمة. وجاء القرار رغم رفض أقاليم تدير فيها قضايا الطفولة حكومات محلية يشارك فيها أو يقودها حزب “فوكس”، الذي عارض أيضا أي مخطط لتوزيع القاصرين الموجودين في سبتة على باقي الأقاليم الإسبانية.

وتكشف التطورات المتلاحقة أن أزمة سبتة تجاوزت، في غضون أسابيع قليلة، كونها أزمة هجرة عابرة لتتحول إلى اختبار متعدد المستويات للعلاقات المغربية الإسبانية. فمن جهة، تؤكد مدريد أن التعاون مع الرباط ضروري لضبط الحدود وإدارة الهجرة وإعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء، ومن جهة أخرى تضع الحكومة الإسبانية خطا أحمر حول مسألة السيادة على سبتة ومليلية وترفض إدراجها في أي حوار مع المغرب. وفي المقابل، أعادت تصريحات المسؤولين المغاربة ملف المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي، بما يجعل الأزمة الحالية محكومة بتداخل واضح بين تدبير الهجرة وحسابات الأمن والسيادة والعلاقات الثنائية.

وبينما يحاول الطرفان احتواء التداعيات العملية للأزمة عبر قنوات الاتصال والتعاون القضائي والدبلوماسي، يبقى مستقبل سبتة ومليلية خارج دائرة التفاوض الرسمية من الجانب الإسباني، في مقابل استمرار المغرب في التمسك بموقفه التاريخي بشأن المدينتين.

ومع استمرار التداعيات الإنسانية والأمنية للأحداث، يبدو أن أزمة يوليوز لم تغلق ملفها بعد، بل فتحت مرحلة جديدة من النقاش حول الحدود والهجرة ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الضفة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

صورة الكاتب أمين طاهر

أمين طاهر

رئيس التحرير

أمين طاهر، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.

"الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة"

كل مقالات أمين طاهر ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب