بين النظام الرسمي وتحديات الواقع اليومي
مع اقتراب موعد الدخول المدرسي الجديد، تعود الحركة إلى ممرات المؤسسات التعليمية عبر ربوع المملكة. أطر الإدارة التربوية وهيئة التفتيش يلتحقون أولا بمكاتبهم، تليهم هيئة التدريس بجميع أسلاكها، في مشهد يتكرر كل سنة تقريبا بنفس الطقوس: توقيع محاضر الالتحاق، مراجعة اللوائح، وتهيئة الأقسام. لكن خلف هذا الانضباط الإداري الذي ترسمه المذكرات الوزارية بدقة، تختبئ تحديات بنيوية يعيشها الأستاذ والأستاذة قبل أن يستقبلا أول تلميذ.
موعد محدد… وواقع متحرك
حسمت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة موعد الدخول المدرسي للموسم 2026-2027 بموجب المقرر الوزاري رقم 047.26، الصادر بداية يوليوز 2026، تحت شعار “من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع”. فبعد التحاق أطر التدبير والتفتيش بمؤسساتهم في الأيام الأولى من شتنبر، تنطلق الدراسة الفعلية لجميع الأسلاك يوم الاثنين 7 شتنبر 2026.
على الورق، يبدو المشهد منظما: تواريخ محددة، مراحل واضحة، وجدولة دقيقة للعطل والامتحانات تمتد إلى غاية نهاية الموسم في يونيو 2027. لكن الأستاذ الذي يقف اليوم أمام باب مؤسسته الجديدة، غالبا ما يحمل معه أسئلة لا تجيب عنها المذكرة الرسمية: أين سيسكن؟ كم عدد التلاميذ الذي سيجده في قسمه؟ وهل ستتوفر المؤسسة على الوسائل الأساسية لبدء السنة في ظروف كريمة؟
الحركة الانتقالية: فرحة النقلة وقلق المجهول
يمثل موسم الحركة الانتقالية السنوية محطة مفصلية في حياة آلاف الأساتذة. فبين من ينتظرون نتيجتها بفارغ الصبر أملا في الاقتراب من عائلاتهم، ومن يجدون أنفسهم في اللحظات الأخيرة معينين في مؤسسة بعيدة عن مسقط رأسهم أو في منطقة نائية، تتحول عملية “الالتحاق بالمنصب” إلى تجربة إنسانية مركبة قبل أن تكون مجرد إجراء إداري.
فبعد صدور نتائج الحركة الانتقالية لهيئة التدريس منتصف يونيو الماضي، وجد كثير من الأساتذة أنفسهم مطالَبين بالتنقل بين جهات، وأحيانا إلى مؤسسات في العالم القروي، دون أن تكون هناك دائما حلول جاهزة للسكن أو النقل. هذا الواقع يجعل من أسابيع ما قبل الدخول المدرسي فترة بحث محموم عن سكن لائق، أو تدبير لتنقلات يومية مرهقة، وهو عبء يُضاف إلى التحضير البيداغوجي للموسم الجديد.
الخصاص في الأطر… والأقسام المكتظة
رغم المجهودات المعلنة لتعميم التعليم الأولي وتوسيع الخريطة المدرسية، لا يزال الخصاص في الموارد البشرية التعليمية يشكل هاجسا يتكرر مع كل دخول مدرسي، خصوصا في بعض التخصصات وبالمناطق النائية. والنتيجة المباشرة لهذا الخصاص غالبا ما تكون أقساما مكتظة، يجد فيها الأستاذ نفسه أمام عدد من التلاميذ يفوق ما تسمح به الشروط البيداغوجية المثلى، ما يصعّب عليه تفريد التعليم ومتابعة كل تلميذ على حدة.
البنية التحتية: فجوة بين الحضر والقرية
لا تتساوى ظروف الالتحاق بالمنصب بين مؤسسة في وسط حضري مجهزة نسبيا، وأخرى في منطقة جبلية أو نائية قد تفتقر إلى الماء الصالح للشرب أو التدفئة أو حتى تجهيزات القسم الأساسية. هذه الفجوة، التي تعمل برامج الإصلاح على تقليصها تدريجيا عبر مشاريع مثل “المدارس الجماعاتية” وتعميم التعليم الأولي، تبقى قائمة في كثير من الجهات، وتجعل من التحاق الأستاذ بمنصبه في العالم القروي تحديا لوجستيا ونفسيا في آن واحد.
العبء النفسي: الاستعداد لموسم جديد بكل تحدياته
إلى جانب التحديات المادية واللوجستية، هناك بعد أقل ظهورا لكنه حاضر بقوة: الاستعداد النفسي للأستاذ لموسم دراسي جديد، بعد أسابيع من الراحة الصيفية، وسط ضغط متزايد يتعلق بالمقررات الدراسية، والتقويمات المستمرة، والانتظارات المجتمعية المتصاعدة تجاه المدرسة العمومية. كثير من الأساتذة يصفون هذه الفترة بـ”إعادة شحن الطاقة” اللازمة لمواجهة سنة دراسية طويلة، تتخللها أربع فترات بينية وامتحانات إشهادية موزعة على مدار السنة.
خلاصة: انضباط رسمي وسط تحديات ميدانية
يعكس التحاق الأساتذة بمناصبهم هذه الأيام صورة مزدوجة للمدرسة المغربية: من جهة، منظومة إدارية باتت أكثر دقة في ضبط التواريخ والمساطر، ومن جهة أخرى، واقع ميداني لا يزال يصطدم بإكراهات النقل، والخصاص، والتفاوتات المجالية، ووضعية شريحة واسعة من الأساتذة المتعاقدين. وبين هذين الوجهين، يبقى الرهان الحقيقي على نجاح الدخول المدرسي 2026-2027 معلقا بمدى قدرة الوزارة على ترجمة شعار “مدرسة عمومية ذات جودة للجميع” إلى تحسين ملموس في الظروف اليومية لمن يقف أمام السبورة كل صباح.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
