شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

حين يقرر جارك بدلاً منك: ثمن المقعد الفارغ في مكتب التصويت

tasswit

كثيرون يظنون أن عدم التصويت موقف. رفض هادئ لمنظومة لا يثقون بها. لكن هذا الظن يحمل خطأً جوهرياً: صندوق الاقتراع لا يُفرغ حين تغيب عنه. يُملأ بأصوات غيرك. من يمتنع عن التصويت لا يوقف القرار، بل يسلّمه كاملاً لمن حضر.

هذا هو الضرر الأول والأكثر مباشرة لعدم التصويت: أنت لا تُحيّد نفسك من المعادلة، بل تُخرج نفسك منها وتترك مقعدك لغيرك ليقرر عنك.

whatsapp image 2026 09 06 at 14.58.40

حين أُغلقت اللوائح الانتخابية سنة 2021، كانت نسبة تسجيل الفئة العمرية 18-24 سنة لا تتجاوز 33.6%، مقابل 94.4% لمن هم في سن الستين فأكثر. فارق يقترب من ثلاثة أضعاف. ومن لا يُسجَّل، لا يستطيع التصويت أصلاً، أياً كانت قناعاته.

النتيجة أن القرارات التي تحدد ميزانية التعليم، وسياسات التشغيل، وتوزيع مشاريع التنمية بين الجهات، يتخذها في الغالب جيل مختلف عن الجيل الذي يعيش أطول مع تبعات هذه القرارات. من سيتحمل نتائج اختيارات اليوم لعشرين سنة قادمة ليس بالضرورة من شارك في اختيارها.

الضرر الأول: فقدان حق الاعتراض. من يغيب عن الصندوق يفقد الأساس الأخلاقي للشكوى لاحقاً. لا يمكن أن تنتقد مجلساً محلياً لم تشارك في اختياره، وتتوقع أن يُسمع اعتراضك بالجدية نفسها التي يُسمع بها اعتراض من صوّت.

الضرر الثاني: تركيز التمثيل في يد فئة ضيقة. حين تنخفض المشاركة بين فئة عمرية أو اجتماعية معينة، لا تختفي المصالح المرتبطة بها من المعادلة، بل تُمثَّل بشكل أضعف. النتيجة مجالس منتخبة تعكس أولويات من حضر، لا أولويات المجتمع ككل. هذا ليس تكهناً؛ إنه أثر رياضي مباشر لانخفاض المشاركة في فئة بعينها.

الضرر الثالث: تطبيع الغياب كخيار. كل انتخابات تشهد امتناعاً واسعاً ترسل إشارة لصانعي البرامج: هذه الفئة لا تُحاسب، فلا داعي لمخاطبتها بجدية. غيابك اليوم يبرر تجاهلك غداً.

بين 2016 و2021، ارتفعت نسبة المشاركة الوطنية من 42% إلى 50.35%، بزيادة تجاوزت مليوني ناخب. رقم مشجع على الورق. لكنه لا يعني أن الفجوة الجيلية تقلّصت بالضرورة. يمكن أن ترتفع نسبة التصويت الإجمالية بينما يظل جزء كامل من الشباب خارج اللوائح من الأساس، لأن الزيادة قد تأتي أساساً من فئات كانت أصلاً مسجلة ومتابعة.

بمعنى آخر: الرقم الإجمالي المرتفع يمكن أن يخفي غياباً مستمراً لفئة بعينها. وهذا الغياب لا يُصلحه التفاؤل بالأرقام الوطنية، بل تصويت فردي يغيّر الفئة نفسها من الداخل.

لا يوجد عذر مقنع للغياب عن انتخابات 23 شتنبر 2026. لا “كلها سواء”، لأن من يحكم اليوم مختلف عمن سيحكم غداً في تفاصيل تمسّ حياتك اليومية مباشرة. ولا “صوتي لن يغيّر شيئاً”، لأن الفارق بين 42% و50.35% صنعه أكثر من مليوني شخص اتخذوا القرار نفسه الذي تتردد فيه الآن.

سجّل. تحقق من مكتب تصويتك عبر الرقم المجاني 2727. اقرأ البرامج قبل أن تختار. ثم اذهب وصوّت. لأن المقعد الذي تتركه فارغاً، لن يبقى فارغاً طويلاً؛ سيملؤه غيرك.

whatsapp image 2026 09 06 at 14.58.46

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *