شعار جريدة البوصلة

حين يصنع الذكاء الاصطناعي ماضينا: نوستالجيا الثمانينات بين جمالية الذاكرة وأسئلة الحاضر

نرند

تخيل أن تفتح هاتفك المحمول لتجد صديقا لك يتصدر الشاشة بقميص واسع وشارب كثيف، يبتسم بأريحية على خلفية دافئة تُحاكي ألوان كاميرات الثمانينيات القديمة، دون أن يغادر غرفته، بل بلمسة زر واحدة على تطبيق يعتمد الذكاء الاصطناعي.

خلال الأسابيع الأخيرة، تحول هذا المشهد البسيط إلى ظاهرة رقمية جرفت الجميع. وهي ظاهرة لم تقف عند حدود التسلية البصرية، بل فتحت نقاشا صحفياً وثقافيا واسعا حول دلالاتها؛ حيث رأى فيها البعض فرصة لتفكيك سيكولوجيا الذاكرة وكيف تحذف المرارات وتستبقي الجماليات، بينما اتخذها آخرون مدخلا للمقارنة بين جيلين: جيل الثمانينيات الذي عاش قلة الوسائل وثراء العلاقات، وجيل اليوم الذي يملك كل التقنيات في جيب صغير.

بعيدا عن الجدل اليومي، دعونا نتأمل هذا الترند بهدوء: ما الذي يخبرنا به الحنين إلى الثمانينيات حين يُصنع بأحدث التقنيات الرقمية؟

الذاكرة الإنسانية، بطبيعتها، ليست كتاب تاريخ جاف يسجل الكوارث والأزمات بدقة؛ بل هي أشبه بفنان ينتقي الألوان المبهجة ويترك المساحات المعتمة. حين نتذكر الماضي، تميل ذاكرتنا إلى استحضار الأغاني القديمة، وجلسات الأحياء البسيطة، ودفء الروابط الاجتماعية، بينما تسقط من تلقاء نفسها الأزمات الاقتصادية، وطوابير الانتظار الطويلة، ومرارات الخصاص التي عاشتها تلك المراحل، من عام “الكوميرا” وما عرف فيما بعد بسنوات الجمر والرصاص، وغيرها؛

واليوم، يأتي الذكاء الاصطناعي ليلعب اللعبة ذاتها بأسلوب بصري ساحر. فالخوارزميات لا تعيد كتابة التاريخ الواقعي بكل تفاصيله المعقدة، بل تجمع الرموز الجمالية الأكثر إبهارا “شريط الكاسيت”، السيارات الكلاسيكية، الملابس ذات الألوان الزاهية لتقدم لنا “نسخة أنيقة” ومصممة بعناية عن زمن رحل. إنها نزهة خفيفة في ماض نعيد صياغته كما نحب أن نتذكره.

ارند

وتكمن الجاذبية الحقيقية لهذه الظاهرة في مفارقة لطيفة: نحن نستخدم أرقى التكنولوجيات الرقمية كي نتخيل أنفسنا في زمن لم تكن فيه هذه التكنولوجيا موجودة أساسا!

في عالم سريع الإيقاع، محكوم بالرسائل الفورية والإشعارات المتواصلة، يحمل هذا الترند رغبة إنسانية بسيطة في استعادة بعض من “البطء الجميل”. يذكرنا بجمالية المواعيد التي كانت تنتظر أياما لتتحقق عبر رسالة بريدية بخط اليد، وبالعلاقات بين الجيران التي كانت تُحل بتبادل أطباق الحلوى البسيطة.

لكن هذا الاستدعاء لا يعني بالضرورة حزنا على الحاضر أو هروبا يائسا منه، بقدر ما هو استراحة شاعرية. إن إنسان اليوم، رغم كل ما يمتلكه من وسائل تواصل حديثة، يحب من حين لآخر أن يتذوق نكهة الشغف القديم؛ شغف البحث عن المعنى وسط الزحام.

حين ننظر إلى التباين بين الأجيال، نكتشف أن القضية ليست مفاضلة بين جيل “أفضل” وجيل “أسوأ”، بل هي تحول في طبيعة الحياة نفسها.

في العقود الماضية، كان الكاتب أو الفنان الشاب يعاني الأمرين ليجد بابا مفتوحا يوصل صوته عبر صفحة أدبية أو منبر إعلامي محدد، فكان الوصول صعبا لكنه يمنح المنتج قيمة خاصة. اليوم، منح الهاتف الذكي الجميع منصة خاصة للتعبير عن ذواتهم ومواهبهم بحرية كاملة ودون وسائط تقليدية.

ai

صحيح أن قواعد الوصول تغيرت—إذ أصبحت المنصات الرقمية وتفاعلاتها هي البوابة الجديدة بدل المحررين والرقابيين—لكن الفرصة المتاحة لشباب اليوم تبقى هائلة وغير مسبوقة. والمطلوب ليس التقليل من شأن هذا الجيل أو اتهامه بالسطحية، بل مساعدته على استثمار هذه الوسائل لبناء محتوى عميق يوازي سهولة الانتشار.

وقد لا تكون صورة الثمانينيات التي يعيد الذكاء الاصطناعي رسمها لنا اليوم واقعا تاريخيا بحتا، بل هي مرآة لطيفة تعكس حاجتنا الإنسانية المستمرة إلى الدفء، والتباطؤ المحمود، والروابط الصادقة.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعيرنا شوارب كلاسيكية ملونة وأجواء ريترو ساحرة، لكن المعنى الحقيقي لا يكمن في الصورة ذاتها، بل في قدرتنا على أخذ أجمل ما في الماضي—من بساطة، وتواصل عفوي، وأصالة—ونقله إلى حاضرنا الحديث، لنعيش عصرنا الرقمي بروح أكثر دفئا وإنسانية.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *