شعار جريدة البوصلة

المحامون يعودون إلى المحاكم.. ومعركة قانون المهنة تنتقل إلى الحكومة والبرلمان الجديدين

المحاماة (2)

بعد قرابة خمسة أشهر من الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، بدأت جمعية هيئات المحامين بالمغرب ابتداء من اليوم الأربعاء 7 أكتوبر مرحلة جديدة في احتجاجها على القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، معلنة التعليق المؤقت للتوقف عن الخدمات. القرار لا يعني طي الملف، بل ينقل مركز المعركة من الشلل المهني إلى المؤسسات التي ستتولى إدارة المرحلة السياسية والتشريعية المقبلة.

ويأتي ذلك بعد مسار تشريعي طويل انتهى بإقرار القانون من البرلمان ثم نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ في 20 غشت 2026. وتظهر وثائق مجلس المستشارين أن النص عرف خلال مساره 266 تعديلا قدمتها مكونات المجلس، انتهت إلى إدخال 48 تعديلا على 35 مادة، قبل المصادقة عليه في القراءة الثانية يوم 7 يوليوز. كما أكدت وزارة العدل، عند دخوله حيز التنفيذ، أنه يأتي ضمن ورش تحديث منظومة العدالة وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الأمن القانوني والقضائي.

ورهان وزارة العدل واضح في فلسفة النص: إعادة تنظيم العلاقة بين المحامي وموكله، مراجعة شروط الولوج إلى المهنة، تحديث وسائل التتبع والتنظيم، وتعزيز الحكامة المهنية، إلى جانب مقتضيات مرتبطة بالتمثيلية النسائية داخل مجالس الهيئات وبولاية النقيب. وفي خطاب الوزارة، لا يقدم القانون باعتباره مجرد تعديل تقني، بل باعتباره جزءا من إصلاح أوسع لمنظومة العدالة وضمان حقوق الدفاع وتحسين موقع المحامي داخل المؤسسة القضائية.

لكن جمعية هيئات المحامين تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فالمحامي عبد الكبير طبيح، عضو مكتب الجمعية، اعتبر أن تعليق الإضراب يفتح “مسارات أخرى للعمل”، وربط المرحلة المقبلة بانتظار تشكيل الحكومة والتعرف إلى وزير العدل الجديد وأولويات الجهاز التنفيذي. كما شدد على أن جوهر الخلاف بالنسبة إلى المحامين يرتبط، في جزء منه، بالثوابت المتعلقة باستقلالية المهنة وحصانتها وتدبيرها الذاتي، معتبرا أن الحوار يظل السبيل إلى معالجة ما بقي من نقاط الخلاف.

وتزداد حساسية الملف لأن القانون أصبح نافذا بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول مشروع يمكن إيقافه بمجرد الاحتجاج. كما أن المحكمة الدستورية كانت قد صرحت في غشت بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بدستورية النص على حالتها، قبل استكمال مسطرة إصداره ونشره. ولذلك فإن الخيارات المتاحة أمام المهنيين والحكومة الجديدة باتت أكثر تعقيدا: هل يفتح حوار سياسي ومهني حول التطبيق؟ هل تقدم تعديلات لاحقة على بعض المقتضيات؟ وكيف يمكن التوفيق بين استقلالية الدفاع وحق المتقاضي في الولوج المنتظم إلى العدالة؟

وما يجعل المرحلة المقبلة أكثر أهمية هو أن الاحتجاج نفسه لم يعد هو الأداة الرئيسية. فالجمعية علقت توقف الخدمات، فيما أبقت على الملف مفتوحا وربطت المرحلة القادمة بالمؤسسات الجديدة. وهذا التحول يضع الحكومة المقبلة ووزارة العدل والبرلمان أمام اختبار مزدوج: حماية تنفيذ قانون دخل حيز النفاذ، وفي الوقت نفسه منع تحول الخلاف المهني إلى أزمة مستمرة داخل مرفق العدالة.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال الأزمة في مصلحة مهنية للمحامين وحدها، كما لا يصح اختزالها في مسؤولية المحامين عن تعطيل العدالة. فالمحاماة جزء أساسي من منظومة الحقوق والدفاع، بينما يظل المتقاضي الطرف الذي يجب ألا يدفع ثمن أي صراع مؤسساتي أو مهني. ومن هنا ستكون قيمة المرحلة المقبلة في القدرة على الانتقال من منطق الضغط المتبادل إلى حوار قانوني واضح حول الاستقلالية، والحكامة، والولوج إلى المهنة، والعلاقة مع الموكل، وحقوق المتقاضين.

وبعودة المحامين إلى المحاكم، ينتهي فصل من الاحتجاج ولا تنتهي القضية. المعركة الآن دخلت مكانا آخر: الحكومة الجديدة، والبرلمان الجديد، ومؤسسات العدالة، حيث سيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان القانون 66.23 سيصبح إطارا مستقرا للمهنة أم بداية لجولة جديدة من التعديل والتفاوض. وفي الحالتين، يبقى معيار النجاح واحدا: عدالة أكثر نجاعة من دون إضعاف استقلال الدفاع.

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *