من «الصاك» إلى الخوارزمية… آن الأوان لصندوق اقتراع لا تحمله الحقائب
لم تكن الحقيبة التي ضُبطت بطنجة يوم الاقتراع التشريعي، وبداخلها أوراق تصويت تخص أحد مكاتب الاقتراع، مجرد واقعة عابرة في سجل الخروقات الانتخابية، بل كانت صورة مكثفة لأعطاب نموذج كامل لم يعد قادرا على حماية إرادة الناخب، فحين يصبح الصوت ورقة يمكن نقلها في “صاك” من غرفة فندق إلى مكتب اقتراع او مكتب تصويت، وحين تعالج المحاضر يدويا في سلسلة طويلة من الوسطاء، فإن السؤال لم يعد عن نزاهة هذا المرشح أو ذاك، بل عن قدرة الآلية نفسها على صون المصداقية.
وإذ نترك للقضاء كامل صلاحيته في تحديد المسؤوليات، فإن واجبنا كخبراء أن نطرح السؤال الأعمق، كيف نجعل مثل هذه الوقائع مستحيلة تقنيا قبل أن تكون مجرّمة قانونيا؟إن التصويت الكلاسيكي، بأوراقه وصناديقه ومحاضره المكتوبة باليد، يقوم على افتراض الثقة في كل حلقة من حلقاته، وهي ثقة أثبتت التجربة أنها قابلة للاختراق عند كل منعطف، في الأوراق الإضافية، وفي فترات الفراغ الرقابي، وفي لحظة الفرز، وفي نقل النتائج وتجميعها، وكل حلقة ضعيفة في هذه السلسلة هي فرصة للمال الفاسد والنفوذ ليفرضا منطقهما على صناديق يُفترض أن تكون مرآة لإرادة المواطنين، والنتيجة لا تقف عند حدود مقعد برلماني مطعون فيه، بل تمتد إلى صورة المملكة المغربية ورصيدها المؤسساتي، وإلى عزوف متزايد لشباب لم يعد يرى في الانتخابات تمرينا ديمقراطيا حقيقيا بل طقسا مشكوكا في نتائجه سلفا.
ومن موقعي كمختص في التدبير المندمج والتحول الرقمي، وكأحد الأطر التي اشتغلت فعليا على نموذج انتخابي مؤطر بفلسفة الحكامة الرقمية، أؤكد أن البديل ليس حلما تقنيا بعيد المنال، فالنموذج الذي اشتغلنا عليه يغطي السلسلة الانتخابية كاملة، تحقق رقمي من هوية الناخب يربط كل صوت ببطاقة وطنية واحدة ويمنع التكرار، وتصويت إلكتروني مشفر لا يمر عبر يد بشرية، وتجميع آلي للأصوات وتحليلها، ثم إعلان النتائج في الزمن الحقيقي بلا أخطاء حسابية ولا محاضر قابلة للتلاعب، وكل عملية فيه تترك أثرا رقميا قابلا للتدقيق، بحيث يتحول السؤال من من رأى ماذا؟ إلى ماذا يقول السجل الذي لا يُمحى؟
ولا أدعو هنا إلى قفزة غير محسوبة، فمصداقية الخبير تقتضي الاعتراف بأن التصويت الإلكتروني له تحدياته الخاصة، من الأمن السيبراني إلى سرية الاقتراع وثقة المواطن في الآلة، لذلك فإن المقاربة الرشيدة تقوم على نظام هجين يُرفق كل صوت إلكتروني بإيصال ورقي قابل للمراجعة، واستضافة سيادية للبيانات داخل التراب الوطني، وتدقيق مستقل للشيفرة المصدرية من طرف مختصين وهيئات رقابية، مع تنزيل تدريجي يبدأ بدوائر نموذجية قبل التعميم، ودول مثل إستونيا والبرازيل والهند قطعت أشواطا في هذا الاتجاه، والمملكة المغربية التي راكمت تجربة محترمة في رقمنة الإدارة وتعميم التطبيقات الخدماتية العمومية… يملك كل المقومات ليكون رائدا قاريا في هذا المجال.
إن وزارة الداخلية، بما لها من خبرة متراكمة في تدبير الاستحقاقات، مدعوة اليوم إلى تحويل صدمة طنجة إلى لحظة إصلاح تاريخية، بدل الاكتفاء بمعالجة آثارها، فالديمقراطية لا تقاس فقط بانتظام المواعيد الانتخابية، بل بقدرة المواطن على أن يثق في أن صوته وصل كما أدلى به، ومن هذا المنطلق، أعلن استعدادي الكامل، بصفتي خبيرا وإطارا سبق له الاشتغال على هذا النموذج، لوضع خبرتي رهن إشارة الوزارة، وتقديم تصور تقني ومؤسساتي متكامل، والمساهمة في إعداد تجربة نموذجية ومواكبتها في أول استحقاق قادم، إذا ما تفاعلت مع هذا المقترح، فالحقائب (الصيكان) يمكن أن تُضبط مرة، لكن الثقة إذا ضاعت يصعب استرجاعها.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


