من يحاور السياسي؟ البرامج الحوارية بين قوة الفكرة وضعف المحاور
هل تحتاج بعض البرامج الحوارية في إعلامنا العمومي، تلفزيوناً وإذاعة، إلى صحفيين لتسييرها أصلاً؟
السؤال ليس استفزازاً. يكفي النظر إلى الفقر المعرفي لدى كثير ممن يتبوؤون مقاعد التسيير، وإلى طبيعة التكوين «اللايت» الذي تلقّاه أغلبهم. صحفيون لا يتمتعون برحابة الصدر وسعة الخاطر، وغير مسيَّسين بهموم الوطن. بعضهم لا يقرأ ولا يكتب، لا يقلّب الدفاتر والمراجع، ولا يتذكر التاريخ.
على الصحفي، قبل الخوض في النقاش السياسي، أن يفهم على الأقل بنية الأحزاب المغربية ومسارها وما تنادي به. عليه أن يعرف رجالاتها والمعارك التي خاضتها، وبرامجها وأفكارها، وإنجازاتها وإخفاقاتها. وعليه أن يعرف أين تقوى، وأين تضعف، وما الذي يفتح أمامها الطريق أو يحاصر مشروعها.
والحضور جزء من الأداء أيضاً. حركة العينين واليدين والابتسامة رسائل، والصوت والملامح أدوات. وهذه أدوات يفتقدها كثيرون، فلا يبقى من حضورهم سوى اللباس الذي تفرضه إدارة القناة.
البرامج السياسية تحتاج معرفة وجرأة ووقاحة أحياناً بغير تواطؤ ولا تصفية حسابات… تحتاج لمفكرين وسياسيين أو على الأقل صحفيين لهم القدرة على التفكير والتعبير وفن إدارة الحوار…
الصحفي يفكك وينتقد ويحاول إعادة تركيب المشهد للفهم والإفهام والتوعية…
غير أن اللوم لا يقع على الصحفي وحده. هناك من يختاره، ويضع له حدود السؤال ومدة البرنامج وسقف الجرأة. وحين تفضّل إدارة ما المحاور المريح على المحاور الذي يُحرج، تصبح المشكلة اختياراً قبل أن تكون ضعفاً.
من هؤلاء الذين نذكرهم بخير: أستاذ الدرس الفلسفي الجامعي والناقد السينمائي نور الدين أفاية، وأستاذ علم الاجتماع عبد الرحيم العطري، والإعلامي والمفكر والسياسي محمد العربي المساري، والكاتب والمفكر عبد الجبار السحيمي، والأديب والإعلامي عبد اللطيف بن يحيى، وغيرهم.
جمع هؤلاء قوة الفكرة، وفصاحة اللغة، وسلاسة التعبير، وجمال الأسلوب، ورشاقة الأداء، والتأثيث اللغوي السليم، والحضور القوي. فتركوا بصمة واضحة في البرامج الحوارية والسياسية.
صحيح أن زمنهم لم يكن زمناً مثالياً، فقد كانت القنوات أقل والسقف أضيق. لكنهم أثبتوا أن الحوار الجاد ممكن حتى داخل الحدود.
البرنامج الحواري لا يُقاس بعدد ضيوفه، بل بالسؤال الذي يجرؤ محاوره على طرحه. وحين يغيب المحاور الذي يُحرج، يبقى سؤال واحد: من المستفيد من هذا الصمت المريح؟



