سبتة ومليلية.. التقارب المغربي الإسباني أمام اختبار السيادة
هل تستطيع الرباط ومدريد بناء شراكة استراتيجية مستدامة، فيما يظل ملف سبتة ومليلية نقطة خلاف تاريخية وسيادية مفتوحة؟
أعادت الزيارة الملكية الإسبانية إلى سبتة، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، ثم إلى مليلية في اليوم الموالي، ملف المدينتين السليبتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما أكد الملك فيليبي السادس انتماءهما إلى إسبانيا. وهي خطوة تتجاوز بعدها البروتوكولي، بالنظر إلى حساسية الملف في العلاقات المغربية الإسبانية، وإلى تمسك كل طرف بموقفه بشأن السيادة على المدينتين الواقعتين في الأراضي الشمالية من المغرب.
من زاوية مغربية، لا يتعلق الأمر بمجرد زيارة ملكية، بل بعودة سؤال تاريخي لم تطوِه سنوات التعاون الثنائي: كيف يمكن الانتقال بالعلاقات بين البلدين إلى شراكة أكثر استقراراً، في ظل استمرار الخلاف حول سبتة ومليلية؟
فالمغرب يتمسك بمطالبته بالمدينتين، مستنداً إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية ودينية…، بينما تعتبرهما إسبانيا ” جزءاً من ترابها الوطني”. وقد برز هذا التباين مجدداً في غشت الماضي، عندما جدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي التأكيد على الموقف المغربي، داعياً إلى فتح قنوات للحوار مع مدريد بشأن مستقبل المدينتين؛ في المقابل، أعلنت الخارجية الإسبانية رفضها المطالب المغربية.
لكن الرهان المغربي لا ينبغي أن يُختزل في ردود الفعل على التصريحات والزيارات؛ بل يتصل بكيفية تدبير ملف معقد ضمن علاقات تجمع البلدين مصالح اقتصادية وأمنية وتجارية وإنسانية، وتفرض في الوقت ذاته وضوحاً في المواقف واحتراماً متبادلاً في إدارة الخلافات.
وتأتي هذه التطورات في سياق توتر مرتبط أيضاً بملف الهجرة، بعدما شهدت سبتة خلال يوليوز الماضي تدفقاً كبيراً للمهاجرين، وهو ما أعاد قضايا الحدود والتنسيق الأمني إلى صدارة النقاش. كما سبق أن أشار جلالة الملك محمد السادس، في خطاب افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، إلى أن نموذج التعاون الحالي مع إسبانيا في مجال الهجرة بلغ حدوده، داعياً إلى مراجعة الاختلالات التي تعرقل هذا التعاون.
السؤال إذن ليس ما إذا كانت الزيارة الإسبانية ستغير المواقف المعلنة، بل ما إذا كان البلدان قادرين على منع الخلاف السيادي من التحول إلى مصدر دائم للتوتر. فالتقارب لا يعني بالضرورة زوال الخلاف، كما أن استمرار الحوار لا يعني التخلي عن المطالب؛ وإنما يتطلب الأمر تدبيراً سياسياً ودبلوماسياً يوازن بين المصالح المشتركة والملفات العالقة.
وبين التأكيد الإسباني على ” السيادة ” والموقف المغربي المطالب بفتح النقاش حول مستقبل المدينتين، يظل ملف سبتة ومليلية اختباراً حقيقياً لحدود الشراكة بين الرباط ومدريد: هل سيبقى عنواناً للتجاذب، أم يصبح موضوعاً لحوار سياسي مسؤول، مهما طال أمده؟


