الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
اتحاد طنجة لكرة اليد يراهن على تثبيت أقدامه بالقسم الممتاز واستعادة بريقه

ملك يستعرض وملك يبني

ملك يستعرض وملك يبني

حطّ العاهل الإسباني فيليبي السادس رحاله في سبتة ومليلية، المدينتين المغربيتين الإفريقيتين المحتلتين، وكأنه يبحث في أزقتهما عن شرعية لم يمنحها التاريخ ولن تمنحها الجغرافيا، زيارة استعراضية بكل المقاييس، جاءت بعد قرابة عقدين من الغياب، لتضع على شرفات المدينتين أعلاما لا تغيّر شيئا من حقيقة الأرض ولا من ذاكرة أهلها، لكن المفارقة الكبرى ليست في الزيارة ذاتها، بل في الصمت المغربي الذي قابلها، صمت ليس عجزا ولا ترددا، بل هو صمت الواثق الذي يعرف أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن السيادة لا تُصنع بالبروتوكولات ولا بعدسات المصورين. لقد اختارت المملكة المغربية ألا تلتفت، وهذا في حد ذاته موقف سياسي بالغ الدلالة، فالدولة التي تنشغل بكل استفزاز عابر هي دولة تفتقر إلى بوصلة، أما المملكة المغربية فقد حسمت وجهتها منذ زمن، حين يذهب ملك إسبانيا إلى مدينة محتلة ليرمّم صورة حكومة مأزومة في الداخل، تتآكل شعبيتها وتتلاحق أزماتها، فإنه يكشف من حيث لا يدري أن مدريد هي التي تحتاج إلى هذا الاستعراض، لا الرباط، من يحتاج إلى إثبات ملكيته كل حين هو من يعلم في قرارة نفسه أن ما بيده ليس له، وبينما كانت الكاميرات الإسبانية تلاحق الموكب الملكي في شوارع سبتة، كان المغرب منصرفا إلى ما هو أعظم وأبقى، ميناء طنجة المتوسط يرسّخ موقعه بين كبريات المنصات اللوجستية في حوض المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي يرتفع ليجعل من الصحراء المغربية بوابة إفريقيا نحو العالم، وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يرسم خريطة طاقية جديدة تربط نيجيريا بأوروبا عبر التراب المغربي، والمبادرة الملكية الأطلسية تفتح لدول الساحل نافذة على المحيط كانت محرومة منها، هذه هي لغة المغرب الجديد، موانئ ومصانع وخطوط سكك فائقة السرعة وصناعة سيارات تتصدر القارة، لا أعلام فوق الشرفات، أما عسكريا، فإن المملكة المغربية لم تعد ذلك البلد الذي يكتفي باستيراد السلاح وانتظار المظلات الخارجية، فقد دخل المغرب عهد التصنيع الدفاعي الوطني، ونسج شراكات استراتيجية مع قوى كبرى، وصارت مناورات الأسد الإفريقي على أرضه موعدا سنويا تلتقي فيه جيوش العالم، فيما تعمل قواته المسلحة الملكية على تحديث متواصل يجعل منها رقما صعبا في معادلات الأمن الإقليمي من الساحل إلى غرب المتوسط، هذا هو المغرب الذي يتجاهل الاستفزاز، دولة تعرف حجمها الحقيقي ولا تقيس قوتها بردود الأفعال الانفعالية، بل بما تراكمه من عناصر الردع والنفوذ… والأشد إحراجا لمدريد أن العالم بات يقرأ المغرب بعيون مختلفة، فالمملكة شريك لا غنى عنه في تنظيم كأس العالم 2030، وفاعل محوري في ضبط الهجرة ومحاربة الإرهاب، وقطب تتسابق إليه الاستثمارات الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وتعترف عواصم القرار الكبرى تباعا بمغربية صحرائه وبمبادرة الحكم الذاتي أساسا وحيدا للحل، أمام هذا الثقل المتصاعد، تبدو زيارة سبتة ومليلية أشبه بمحاولة يائسة لإيقاف عقارب الساعة، وبصرخة في واد لا يسمعها إلا من أطلقها. إن سبتة ومليلية الافريقيتين المحتلتين، كانتا كذلك وستبقيان كذلك، شاء من شاء وأبى من أبى، والمغرب الذي استعاد صحراءه بالحكمة والصبر والنَفَس الطويل، يعرف كيف يدير ملفاته بالأسلوب نفسه، في التوقيت الذي يختاره هو لا الذي يفرضه الآخرون، فليستعرض من شاء على أطلال الماضي الاستعماري، وليرفع ما شاء من الأعلام، فالتاريخ لا يُكتب من الشرفات بل من الأوراش، والمغرب تحت القيادة الرشبدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده اليوم، يكتب تاريخه بيده، ويمضي بثبات إلى قلب العالم، غير ملتفت إلى من بقي واقفا عند أبواب القرن الماضي.

ملك يستعرض وملك يبني (2)

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

 خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

كل مقالات أنور قورية ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب