الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
اقتصاد الربط الجوي بين الدار البيضاء والصويرة.. هل يتحول إلى رافعة لتنمية جهة مراكش آسفي؟
تقرير

مراكش: “مستعمرات الضوء” يسائل أثر الرقمنة في تشكيل الوعي ومستقبل المدرسة العمومية

مراكش: “مستعمرات الضوء” يسائل أثر الرقمنة في تشكيل الوعي ومستقبل المدرسة العمومية

    ندوة فكرية تناقش هيمنة الخوارزميات، وتحولات الهوية والخصوصية، والحاجة إلى أنسنة التكنولوجيا وتخليق الذكاء الرقمي

     احتضنت مدينة مراكش، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، لقاءً فكرياً نظمته جمعية أصدقاء المدرسة العمومية بالمغرب، خُصص لمناقشة كتاب “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات “، للدكتور مصطفى غلمان، بمشاركة الباحثين محمد أقديم وإبراهيم أعراب، فيما تولت الدكتورة سناء زعيمي تسيير اللقاء.

    وشكلت الندوة مناسبة لمناقشة التحولات التي أحدثتها الرقمنة في علاقة الإنسان بالمعرفة والهوية والخصوصية والحقيقة، وما تطرحه هيمنة المنصات الرقمية والخوارزميات من أسئلة حول حرية الفرد واستقلالية وعيه، فضلاً عن انعكاساتها على التربية والمدرسة العمومية.

“مستعمرات الضوء”: حين تتحول التكنولوجيا إلى قوة لتوجيه الوعي

     في مداخلته، توقف الباحث محمد أقديم عند الدلالات الفكرية لمفهوم “مستعمرات الضوء”، باعتباره استعارة تكشف تحولات وظيفة التكنولوجيا؛ إذ لم تعد مجرد أداة محايدة لتيسير التواصل والوصول إلى المعرفة، بل أصبحت، في ظل السيطرة الخوارزمية، قادرة على استنزاف انتباه الإنسان واستهلاك وقته والتأثير في أنماط إدراكه وتفاعله مع العالم.

     وأوضح النقاش أن الكتاب لا يقدم مجرد تجميع لنصوص متفرقة، بل يسعى إلى بناء أطروحة متكاملة تنطلق من إشكال مركزي، وتربط بين التحليل المعرفي والتفكيك السوسيولوجي والامتدادات الجيوسياسية للتكنولوجيا، وصولاً إلى مساءلة الأسس الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم تطورها واستعمالها.

كما توقف أقديم عند الجهاز المفاهيمي الذي يوظفه المؤلف، وما يتيحه من إمكانات لتفسير التحولات الرقمية، مشيراً إلى أهمية استشراف المستقبل من خلال الدعوة إلى أنسنة التكنولوجيا والذكاء الرقمي وتخليق استعمالاتهما.

     ويضع هذا الطرح القارئ أمام مفارقة أساسية: فالتكنولوجيا التي وسعت إمكانات الوصول إلى المعرفة والتواصل قد تتحول، في بعض أنماط استعمالها، إلى وسيلة لتوجيه الانتباه والتأثير في الوعي، بما يجعل حرية الإنسان في التفكير والاختيار موضوعاً مركزياً للنقاش.

الهوية والخصوصية والحقيقة تحت ضغط المنصات الرقمية

     من جانبه، تناول الباحث إبراهيم أعراب قضايا الهوية والخصوصية والحقيقة في البيئة الرقمية، متوقفاً عند التحولات التي مست العلاقات الإنسانية، بما فيها الصداقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

     كما أثار مسألة المراقبة المرتبطة بالتكنولوجيات الرقمية، وما يمكن أن تطرحه من تحديات للحريات الإنسانية، في ظل اتساع إمكانات جمع البيانات وتتبع السلوك داخل المنصات.

     وأبرز النقاش الحاجة إلى مقاربة فكرية تتجاوز النظر إلى الرقمنة بوصفها ظاهرة تقنية، لتفحص أبعادها الفلسفية والسوسيولوجية والأنتربولوجية، وتدرس أثرها في بناء الذات وعلاقات الفرد بمحيطه، وفي الحدود الفاصلة بين التواصل الحر والتأثير الموجَّه.

     كما برزت أهمية تطوير دراسات عابرة للتخصصات، تجمع بين الفلسفة والسوسيولوجيا والعلوم الإنسانية، لفهم التحولات التي تمس الإنسان في علاقته بالتكنولوجيا، بعيداً عن اختزال الظاهرة في جوانبها التقنية وحدها.

المدرسة العمومية أمام تحدي بناء الوعي الرقمي

اكتسب النقاش دلالة تربوية خاصة بالنظر إلى الجهة المنظمة للقاء، وهي جمعية أصدقاء المدرسة العمومية بالمغرب؛ إذ يطرح موضوع الكتاب أسئلة مباشرة حول دور المدرسة في بناء الوعي النقدي لدى الناشئة.

     فالتحدي لا يقتصر على إدماج الوسائل الرقمية في العملية التعليمية، بل يمتد إلى تمكين المتعلم من فهم آليات اشتغالها، والتمييز بين المعلومة والرأي، والتحقق من مصادر المعرفة، ومساءلة المضامين التي يتلقاها، وإدراك تأثير الصور والخوارزميات في تصوراته واختياراته.

     ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى مدرسة لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تساعد على تحرير الوعي وتنمية الاستقلالية الفكرية، وتؤهل المتعلم للتعامل مع التكنولوجيا بوعي ومسؤولية.

      كما يظل الرهان التربوي مرتبطاً بقدرة المدرسة والأسرة والمجتمع على تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات الرقمية والحفاظ على العلاقات الإنسانية المباشرة، وقيم الحوار والتفكير النقدي والمسؤولية الأخلاقية.

أنسنة التكنولوجيا: من نقد الرقمنة إلى تخليق الذكاء الرقمي

      تتقاطع مختلف المحاور التي أثارها اللقاء عند سؤال جوهري: كيف يمكن الاستفادة من التطور التكنولوجي دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد مستهلك للمحتوى أو موضوع للمراقبة والتوجيه الخوارزمي؟

     إن الدعوة إلى أنسنة التكنولوجيا لا تعني رفض الرقمنة، بل تقتضي إخضاع تطورها واستعمالاتها لمبادئ تحترم الإنسان وخصوصيته وحريته وكرامته، وتضمن أن تظل التكنولوجيا وسيلة لتوسيع قدراته، لا غاية تستحوذ على انتباهه وتحدد أولوياته.

     وإذا كانت الخوارزميات تؤثر في ما نراه ونستهلكه، فإن تنمية الوعي النقدي تصبح مسؤولية مشتركة بين المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، بما يساعد الفرد على التمييز بين اختياراته الواعية والتأثيرات التي قد يتعرض لها داخل الفضاء الرقمي.

وفي هذا السياق، يفتح كتاب ” مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات” مجالاً للتفكير في مستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وفي مسؤولية المجتمع عن بناء بيئة رقمية أكثر احتراماً للحريات الإنسانية.

     واختُتم اللقاء بتوقيع الدكتور مصطفى غلمان كتابه “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات”، في محطة أتاحت للحاضرين مواصلة التفاعل مع المؤلف حول أطروحته والأسئلة الفكرية والتربوية التي يثيرها الكتاب.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

عبد اللطيف سندباد

كاتب صحفي وباحث في قضايا المجتمع والتنمية الإنسانية

عبد اللطيف سندباد، كاتب صحفي وباحث أدبي،كوتش محترف معتمد وفق معايير ICF، مستشار أسري، وفاعل تربوي ومدني...

راكم تجربة مهنية متعددة امتدت بين التربية والتعليم، والإعلام والصحافة، والبحث الأدبي، والتكوين والكوتشينغ؛ فقد اشتغل في المجال التربوي والإداري لأكثر من 36 سنة، وفي الصحافة والثقافة لأكثر من 20 سنة، كما تولى سابقاً مسؤولية إدارة نشر جريدة «فضاءات تانسيفت» ومنصة «فضاءات».

ألّف كتاب «التجربة والرؤيا: شعر عبد الكريم الطبال أنموذجاً» الصادر سنة 2020، ونشر عدداً من المقالات والدراسات في الأدب والنقد والتربية والتنمية الإنسانية.

ويواصل عبد اللطيف سندباد مساره المهني من خلال الكتابة الصحفية والفكرية، والكوتشينغ والاستشارات الأسرية، انطلاقاً من رؤية تقوم على الإصغاء، والوعي، والتفكير النقدي، وخدمة الإنسان والمجتمع...

ويشارك في تجربة «البوصلة» بصفته المنسق الجهوي لجهة مراكش آسفي، مساهماً في رصد القضايا والوقائع والطاقات المحلية، وإنتاج محتوى إعلامي يجمع بين المهنية، والتحليل، والبعد الإنساني.

كل مقالات عبد اللطيف سندباد ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب