شعار جريدة البوصلة

الأحزاب السياسية في المغرب: بين حضور البرلمان ودور التأطير المجتمعي

احزاب

حين تفرغ الأحزاب من مضمونها: لماذا لم تعد الثقة ممكنة؟

لم يعد الحديث عن أزمة ثقة المغاربة في أحزابهم السياسية شكوى مبطّنة أو انطباعًا عابرًا يتردد في المقاهي والمجالس؛ بل صار معطى موثقًا تؤكده استطلاعات الرأي المتعاقبة. فحين يصرّح أكثر من تسعة أعشار المستجوَبين بعدم ثقتهم في الأحزاب، وحين يقرّ تسعة من كل عشرة مغاربة بأنهم غير منخرطين في أي تنظيم حزبي، فإننا لسنا أمام أزمة صورة يمكن معالجتها بحملة تواصلية أو بخطاب انتخابي لامع، بل أمام قطيعة بنيوية بين المؤسسة الحزبية والمجتمع الذي يُفترض أن تمثّله وتؤطّره.

الأخطر من هذه الأرقام هو ما تكشفه من انسحاب تراكمي: مناضلون سابقون غادروا صفوف أحزابهم بدعوى غياب الديمقراطية الداخلية وضعف التمثيلية والإقصاء، لا بدافع اللامبالاة. أي أن جزءًا مهمًا من أزمة الثقة صنعته الأحزاب بنفسها، من الداخل، قبل أن يتحول إلى حكم عام يتبناه الرأي العام.

أحزاب البرلمان وأحزاب الهامش: أزمة واحدة بواجهتين

من المفيد التمييز هنا بين صنفين من التنظيمات الحزبية، وإن كانا يتقاسمان جوهر الأزمة نفسها:

الأحزاب الحاضرة في البرلمان والحكومة تعاني من مفارقة صارخة: كلما اقتربت من دواليب السلطة والتدبير، ابتعدت عن قواعدها الاجتماعية. لقد أصبحت هذه الأحزاب حاضرة داخل المؤسسات أكثر من حضورها داخل المجتمع، حيث يطغى منطق التحالفات والحسابات الانتخابية على حساب إنتاج مشاريع مجتمعية حقيقية. والأدهى أن بعض مكونات الأغلبية الحكومية دأبت على ممارسة نوع من “المعارضة من الداخل”، في سلوك يعمّق الشك لدى المواطن حول جدية الالتزامات وحول من يتحمل المسؤولية فعليًا عن القرارات العمومية.

أما الأحزاب خارج قبة البرلمان، وبعضها يملك تاريخًا نضاليًا وتنظيمًا قاعديًا لا يستهان به، فتواجه مأزقًا مختلفًا: قدرتها على التأثير محدودة بحكم غيابها عن مواقع القرار المؤسساتي، لكنها في المقابل ليست بالضرورة أكثر ديمقراطية في تدبير شؤونها الداخلية. كثير منها يعيد إنتاج الآفات نفسها التي تُؤخذ على الأحزاب “الحكومية”: هيمنة الزعامات التاريخية، وضعف تداول القيادة، وخطاب احتجاجي لا يترجَم دائمًا إلى بدائل عملية قابلة للتطبيق. والنتيجة أن المواطن لا يجد فرقًا جوهريًا بين من هو “في السلطة” ومن هو “في المعارضة”: الكل يبدو أسير المنطق نفسه.

حين يتحول التأطير إلى واجهة شكلية

الدستور والأدبيات السياسية تُجمع على أن الوظيفة الأولى للحزب السياسي هي التأطير: تكوين الوعي، وتنمية الفكر السياسي، وربط المواطن بالشأن العام بشكل مستمر لا موسمي. ولهذا الغرض بُنيت الشبيبات الحزبية، والاتحادات النسائية، والمنظمات النقابية الموازية، بوصفها أذرعًا ينبغي أن تُبقي الحزب حيًّا داخل النسيج المجتمعي بين موعد انتخابي وآخر.

لكن الواقع اليوم مختلف تمامًا. فهذه الهياكل التأطيرية، في غالب الأحزاب، تحوّلت من مدارس لتكوين النخب إلى واجهات بروتوكولية تُستحضر في المؤتمرات واللقاءات الرسمية، ثم تخفت أنشطتها بمجرد انتهاء الاستحقاق الانتخابي. لا حضور فعلي في القرى الجبلية ولا في الأحياء الهامشية، ولا مبادرات ثقافية أو تنموية مستمرة؛ ولا يُستعاد الحديث عن هذه الفئات إلا لحظة التصويت. الاتحادات النسائية بدورها كثيرًا ما تُختزل في نسب تمثيلية شكلية تُستعمل لتلميع صورة الحزب أكثر مما تُستثمر كقوة اقتراح فعلية في السياسات العمومية المتعلقة بالمرأة. والنقابات المرتبطة بالأحزاب، من جهتها، تجد نفسها أحيانًا في وضع محرج حين يتعارض الدفاع عن مصالح الشغيلة مع مواقف الحزب الأم وهو في الحكومة.

النتيجة أن وظيفة التأطير، التي كانت يومًا مصدر قوة الأحزاب المغربية ومبرر وجودها، أصبحت اليوم من أضعف حلقاتها، تاركة فراغًا تملأه اليوم فضاءات أخرى: الجمعيات الحقوقية، الحركات الاحتجاجية غير المهيكلة، ومنصات التواصل الاجتماعي التي باتت الوسيط الفعلي بين الشارع والقضايا العمومية.

التشبيب: شعار يتكرر وواقع لا يتغير

قلّما تجد حزبًا مغربيًا لا يرفع في أدبياته شعار “التشبيب” و”تجديد النخب”. لكن الفجوة بين الخطاب والممارسة هنا صارخة. فرغم وجود شبيبات حزبية نشيطة نظريًا، ما تزال المناصب القيادية العليا حكرًا شبه كامل على نفس الوجوه التي تتكرر ولايةً بعد ولاية، فيما يوصف أحيانًا بظاهرة “خلود الزعيم”. بقاء القيادات نفسها لعقود يخلق جمودًا في الفكر التدبيري للحزب، ويرسل للشباب رسالة ضمنية مفادها أن التدرج داخل الهياكل الحزبية طريق مسدود مهما بلغت الكفاءة أو الاجتهاد.

هذا الانغلاق له كلفة مضاعفة: فهو من جهة يُبعد الكفاءات الشابة عن العمل الحزبي المنظم، ويدفع بها إما إلى العزوف التام عن الشأن العام، أو إلى أشكال تعبير بديلة خارج الأحزاب تمامًا. ومن جهة أخرى، حين تحاول الأحزاب “تجميل” واجهتها بوجوه شابة في اللوائح الانتخابية، غالبًا ما يتعلق الأمر بأبناء أو محاسيب النخب القائمة أنفسها، فيما يشبه توريث المواقع الحزبية أكثر مما هو تجديد حقيقي للنخب. وهو ما يفسر الغضب المتصاعد داخل عدد من الأحزاب حول لوائح التزكيات، وما رافقه من احتجاجات مناضلين وأطر رفضوا استمرار الوجوه نفسها في الترشح، معتبرين أن ذلك يُفقد الحزب صلته بقواعده المحلية.

الانقسامات: حين يتحول الخلاف السياسي إلى تصفية حسابات

لا يمكن الحديث عن أزمة الثقة دون التوقف عند الانقسامات المتكررة التي تضرب البنية التنظيمية لعدد من الأحزاب المغربية، سواء الكبرى منها أو الصغرى. هذه الانقسامات نادرًا ما تكون صراعًا حول التصورات السياسية أو البرامجية؛ إذ يلاحظ المتتبع للشأن الحزبي كيف ابتعد النقاش الداخلي عن وظيفته الطبيعية ليتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والصراع على المواقع والتزكيات، أكثر منه معركة أفكار واختيارات مجتمعية.

وحين تصل الخلافات إلى حد الانشقاق أو التجميد أو المؤتمرات الاستثنائية المتنازع على شرعيتها، فإن الخاسر الأكبر ليس هذا الطرف أو ذاك داخل الحزب، بل صورة العمل الحزبي برمّته في نظر الرأي العام. فالمواطن الذي يتابع من الخارج مشهد تراشق البيانات والاتهامات المتبادلة بين “الإخوة في الحزب الواحد” يخرج بقناعة واحدة: أن هذه التنظيمات تشتغل بمنطق الزبونية والولاءات الشخصية أكثر مما تشتغل بمنطق المشروع السياسي، وأن الصراع على تدبير الحزب من الداخل يستنزف طاقة كان يفترض توجيهها لخدمة الناس وقضاياهم.

أي أفق للإصلاح؟

الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يكون تقنيًا أو ترقيعيًا. فالحديث عن “الانفتاح على الشباب والنساء والكفاءات” أو عن “الشفافية في التسيير والتمويل” لن يجدي ما لم يقترن بإصلاحات هيكلية حقيقية: تحديد صارم لعدد ولايات القيادات الحزبية، وربط التزكيات بمعايير الاستحقاق والنزاهة لا بالولاء الشخصي، وفتح قنوات فعلية للتدرج القيادي أمام الأجيال الشابة، وإحياء النقاش الفكري داخل الأحزاب بعيدًا عن الحسابات الانتخابية الضيقة، وربط الحزب بالحركات الاجتماعية القائمة بدل معاداتها أو تجاهلها.

الأحزاب السياسية ليست ترفًا مؤسساتيًا، بل عصب أي تجربة ديمقراطية حقيقية. وما لم تُقدم هذه التنظيمات، برلمانية كانت أم خارج البرلمان، على مراجعة جذرية لعلاقتها بالمواطن وبشبابها ونسائها ونقاباتها، فإن أزمة الثقة الحالية لن تكون سوى محطة في مسار انحدار أعمق، قد يجعل من “اللاثقة” في الأحزاب قاعدة راسخة يصعب تجاوزها لعقود مقبلة.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *