في كل موسم لمعرض الكتاب، وفي كل نقاش يجمع كتّابا مغاربة على منصة أو في مقهى، تتكرر الشكوى ذاتها: التوزيع خانق، دور النشر متكالبة، والمكتبات لا تفتح أبوابها إلا لمن له اسم أو علاقة. فيلجأ عدد متزايد من الكتّاب، خصوصا الشباب منهم، إلى الطبع الذاتي كملاذ أخير بعد يأسهم من الناشر التقليدي. غير أن هذا التفسير، على وجاهته الجزئية، يخفي سؤالا أعمق وأكثر إزعاجا: هل يعاني الكتاب المغربي حقا من أزمة توزيع فحسب، أم أن المشكلة الجوهرية أن المغاربة، ببساطة، لا يقرؤون؟ هذا المقال يجادل بأن أزمة التوزيع، وإن كانت حقيقية وموثقة، ليست سوى العارض الظاهر لمرض أعمق اسمه أزمة القراءة.
مسارات الكاتب المغربي: من الرفض إلى المغامرة الذاتية
يبدأ مسار كثير من الكتّاب المغاربة، وخصوصا الأصوات الجديدة، برحلة طويلة من الرفض أو الصمت من طرف دور النشر. أمام ضعف القدرة المالية لهذه الدور، وتخوفها من المجازفة بأسماء غير معروفة تجاريا، ينتهي الأمر بكثير من الكتّاب إلى تمويل طباعة كتبهم بأنفسهم، وهو خيار يوصف في أدبيات القطاع بأنه “حل اضطراري” أكثر منه اختيارا حرا. وتكشف بيانات حديثة عن المشهد الثقافي المغربي أن ما يزيد عن 3700 عنوان صدر خلال سنتين، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة النشر الرقمي عتبة 9 بالمئة من مجمل الإصدارات، ما يعني أن الكتاب المغربي لا يزال أسير الورق وأسير جيب مؤلفه في آن واحد. بل إن أكثر من ربع الإصدارات في المغرب، بحسب متابعين للقطاع، تصدر بمبادرة ذاتية من الكاتب وعلى نفقته الخاصة.
وتختلف كلفة هذه المغامرة من جهة إلى أخرى؛ فسوق الطباعة في الدار البيضاء أكثر نشاطا وتنافسية من نظيراتها في جهات أخرى كالشرق، حيث تُثقل المطابع الراكدة كاهل الكاتب بتكاليف أعلى. وهكذا يجد الكاتب المغربي، خصوصا في الجهات غير المركزية، نفسه يدفع مرتين: مرة لطباعة كتابه، ومرة أخرى – إن أراد أن يراه أحد – لتوزيعه بنفسه بين المكتبات والمعارف.
حجة التوزيع: وجاهتها ولكن أيضا حدودها
من الإنصاف الاعتراف بأن شكوى الكتّاب من التوزيع ليست وهما أو تبريرا لفشل شخصي. فشركات التوزيع تستحوذ، بحسب شهادات كتّاب ومهنيين في القطاع، على ما يقارب نصف عائدات مبيعات الكتاب، وهي نسبة مرتفعة تجعل الجدوى الاقتصادية للنشر التقليدي محدودة حتى بالنسبة لكتاب ناجح نسبيا. يضاف إلى ذلك سوء عرض الكتاب في المكتبات والأكشاك وتعرضه للتلف، وغياب دعم إعلامي حقيقي للتعريف بالإصدارات الجديدة، وضعف الهيكلة العامة لقطاع لا يتوفر فيه سوى عدد محدود من دور النشر القادرة على الاستثمار في التسويق والانتشار خارج الحدود المحلية للمؤلف.
هذه المعطيات حقيقية ويجب ألا تُستهان بها، فهي جزء أصيل من معاناة الكاتب المغربي. لكن الوقوف عندها وحدها يقود إلى استنتاج مضلل: أن المشكلة تقنية ولوجستية بحتة، وأنه لو توفرت شبكة توزيع مثالية لحُلّت الأزمة من جذورها. والواقع أن هذا الافتراض لا يصمد أمام الأرقام.
المؤشرات لا تكذب: أزمة القراءة هي الأصل
حين يصرح وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد بأن المغربي لا ينفق سوى نحو 35 درهما في السنة على اقتناء الكتب والقراءة، وأن “ثقافة الكتاب تكاد تكون منعدمة”، فإننا لسنا أمام مشكلة توزيع، بل أمام مجتمع لم يبنِ بعد علاقة حقيقية مع الكتاب كسلعة ثقافية له قيمة تستحق الإنفاق. وحين تكشف أبحاث المندوبية السامية للتخطيط أن المغربي لا يخصص للقراءة سوى دقيقتين في اليوم، فإن المسألة تتجاوز توفر الكتاب من عدمه إلى غياب الرغبة والعادة والوقت المخصص لها أصلا.
الأمر لا يقتصر على الكبار. فنتائج البرنامج الدولي لتقييم المتعلمين “بيسا” لسنة 2022 أظهرت أن التلاميذ المغاربة في المدارس العمومية، الذين بلغوا الخامسة عشرة من عمرهم، حصلوا في اختبارات القراءة على نتائج أدنى من المعدل المسجل لدى نظرائهم في باقي الدول الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. هذا يعني أن أزمة القراءة لا تبدأ بعد التخرج من المدرسة، بل تتشكل داخلها، قبل أن يفكر أي أحد في كتابة كتاب أو نشره أو توزيعه.
وحتى حين يُطبع الكتاب بأفضل الشروط الممكنة عبر ناشر محترف، فإن السقف يبقى منخفضا: توزيع الكتاب في المغرب نادرا ما يتجاوز 1500 نسخة، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم القراء المفترضين في بلد يفوق تعداد سكانه ستة وثلاثين مليون نسمة. لو كانت المشكلة توزيعا محضا، لكان يكفي تحسين الشبكة اللوجستية لمضاعفة هذا الرقم؛ لكن الثابت أن ضعف المبيعات يلازم حتى الإصدارات التي تحظى بتوزيع جيد نسبيا، لأن العطب الحقيقي في جانب الطلب لا العرض.
صحيح أن هناك شريحة محدودة من المغاربة تقرأ بانتظام وبمعدلات لا بأس بها، بحسب دراسات لشبكة القراءة بالمغرب رصدت فئة تقرأ نحو 24 كتابا في السنة، أغلبها من الرواية العاطفية والأعمال الفكرية. لكن هذه الشريحة تبقى جزيرة صغيرة معزولة داخل محيط واسع من اللامبالاة بالقراءة، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في توفر الكتاب لهذه الفئة أو غيابه، بل في اتساع الفجوة بين من يقرأ ومن لا يقرأ أصلا.
الطبع الذاتي: مرآة الأزمة لا سببها
حين يُختزل النقاش في “مؤامرة” دور النشر أو “جشع” الموزعين، يقع الكاتب المغربي، من دون أن يدري، في فخ تبرئة الحلقة الأضعف من المسؤولية وتحميلها بالكامل لحلقات أخرى في السلسلة. الحقيقة أن دور النشر نفسها، حتى الجادة منها، تعاني من ضعف المبيعات بغض النظر عن جودة توزيعها، لأن السوق الذي تخاطبه محدود بطبعه. الطبع الذاتي إذن ليس سببا لأزمة القراءة، بل هو نتيجة من نتائجها: فحين يضيق السوق ويتردد الناشرون في المجازفة بأسماء جديدة في بيئة قرائية هزيلة أصلا، يجد الكاتب الشاب نفسه مضطرا لتمويل حلمه بنفسه، ليكتشف لاحقا أن المعضلة لم تكن في الناشر، بل في غياب القارئ الذي كان يفترض أن ينتظره في الطرف الآخر من السلسلة.
بين المسؤوليات المتقاطعة: إنصاف لا تجريم أحادي
من غير المنصف، مع ذلك، إلقاء كامل العبء على “المجتمع القارئ” وتبرئة باقي الحلقات. فالمدرسة المغربية لم تنجح بعد في غرس متعة القراءة بدل تلقينها كواجب مدرسي مُمل، والمكتبة العمومية لا تزال غائبة أو هشة في كثير من المدن والجهات، والدولة نفسها، رغم مجهودات ملحوظة كمعرض الرباط الدولي للكتاب الذي استقطبت دورته لسنة 2023 نحو 202 ألف زائر وحقق مبيعات بلغت 1.5 مليون كتاب، لم تترجم هذا الزخم الموسمي إلى سياسة قراءة دائمة ومستدامة على مدار السنة. كما أن المحتوى الرقمي السريع يلتهم يوميا وقتا كان يمكن أن يُخصص للقراءة المتأنية، في وقت لا تزال فيه صناعة الكتاب الرقمي المغربي في مهدها.
بهذا المعنى، فإن أزمة التوزيع وأزمة القراءة ليستا خصمين بل وجهين لعملة واحدة: ضعف الطلب يجعل الاستثمار في التوزيع غير مجدٍ اقتصاديا لدور النشر، وضعف التوزيع بدوره يقلل من فرص وصول الكتاب إلى القارئ المحتمل ويكرّس عزوفه. لكن حين يُسأل: أيهما البيضة وأيهما الدجاجة؟ فإن الشواهد الإحصائية ترجح كفة القراءة بوصفها الأصل، ذلك أن حتى الكتب التي تتجاوز عقبة التوزيع بنجاح تصطدم بسقف مبيعات متواضع لا يعكس حجم المطبعة بقدر ما يعكس حجم الرغبة في القراءة.
كلمة أخيرة
يواصل الكاتب المغربي مغامرته وحيدا، يطبع كتابه بيده، ويوزعه بقدميه، ويبحث عن قارئ يشبه في ندرته الكتاب النادر. وبينما تنشغل النقاشات الثقافية بجلد الناشرين والموزعين، يبقى السؤال الأصعب معلقا بلا إجابة مريحة: ماذا لو كانت المشكلة ليست أن الكتاب لا يصل إلى القارئ، بل أن القارئ نفسه، في غالب الأحيان، لم يعد يبحث عن كتاب؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
