شعار جريدة البوصلة

من يقرأ للكاتب المغربي؟ أزمة كتابة في مجتمع لا يقرأ

الكتاب والكتاب

قلّة من الكتّاب يختارون الكتابة كمهنة منذ البداية. غالبًا ما تبدأ القصة من طفولة بسيطة، لتتحول الكلمة المكتوبة تدريجيًا إلى ملاذ للتعبير عمّا لا يمكن قوله بطريقة أخرى. ومع النضج، يتحول اهتمام الكاتب من القضايا الكبرى – العدالة، الحرية، فلسطين – نحو تفاصيل الحياة اليومية والذات، في مسار طبيعي يعكس تحولات الكاتب مع تحولات العالم من حوله.

هذا الشغف الفردي، رغم قوته، يصطدم بواقع مادي قاسٍ: غياب أي دعم حقيقي، أثمنة نشر باهظة، وضرورة أن يدفع الكاتب أحيانًا من جيبه الخاص، بل ومن مقتنيات أسرته، ليرى عمله النور.

معضلة الاعتراف: بين المال والمكانة

يرى كثير من الكتّاب أن جوهر الأزمة ليس ماديًا بحتًا، بل يتعلق بالاعتراف الرمزي بمهنة الكتابة أصلًا. فحتى وقت قريب، لم تكن “الكاتب” مهنة معترفًا بها رسميًا في الوثائق الإدارية، على عكس مهن أخرى أقل تأثيرًا في الوجدان الجمعي. وهذا الغياب للاعتراف ينعكس في تعامل المجتمع نفسه: يعرف المغاربة أسماء الفنانين والمطربين والممثلين الذين يظهرون على الشاشة، لكنهم يجهلون في الغالب أسماء كتّابهم ومفكريهم.

الدعم الرسمي: خطوة إيجابية غير كافية

على المستوى المؤسساتي، يُعتبر برنامج دعم الكتاب والنشر الذي تشرف عليه وزارة الثقافة أحد المكتسبات المهمة التي خففت العبء المالي عن كاهل الكتّاب مقارنة بعقود سابقة كانت تخلو من أي آلية دعم. لكن هذا البرنامج يبقى قاصرًا من عدة زوايا: توقيته المتأخر الذي يحرم الإصدارات المدعومة من الظهور في معرض الكتاب الدولي، محدودية دوراته السنوية، وغياب سلاسل نشر رائدة كانت موجودة سابقًا وتم التخلي عنها.

حين يصل الكتاب.. ولا يصل

حتى إن تم حل مشكلة التمويل، يبقى التوزيع عقبة أكبر. فالكتاب، خصوصًا الشعري منه، كثيرًا ما يُرفض من طرف شركات التوزيع الكبرى، أو يُشترط على الكاتب تقديم ضمانات مالية مسبقة. والنتيجة أن نسخًا كثيرة من الكتب تبقى حبيسة المخازن، بعيدة عن القارئ الذي من أجله كُتبت. الحل المقترح من داخل الوسط الثقافي: أن تشتري المؤسسات الرسمية الكتب مباشرة من الكتّاب وتتولى توزيعها على المدارس والمكتبات العمومية، بدل الاكتفاء بدعم كلفة الطباعة فقط.

نصيب الكاتب من ثمن كتابه

من كل مائة درهم يدفعها القارئ، لا يحصل الكاتب المغربي إلا على أقل من عشرة دراهم، أي نسبة لا تتجاوز 10 إلى 12 بالمائة، في وقت تصل فيه هذه النسبة إلى 15 بالمائة في أوروبا. وتزداد المعضلة تعقيدًا مع عقود نشر مجحفة تصعّب على الكاتب استرجاع حقوقه للانتقال إلى ناشر آخر، في غياب إطار قانوني يحمي هذه العلاقة، على عكس مجالات أخرى من الحياة الاجتماعية التي تحظى بتأطير قانوني أوضح.

ترجمة بلا مؤسسة

يبقى حضور الأدب والفكر المغربي عالميًا رهينًا بمبادرات فردية ومحسوبيات شخصية، في غياب هيئة وطنية عليا للترجمة قادرة على الترويج المنهجي للإنتاج الثقافي المغربي في اللغات الأجنبية، ضمن ما يشبه “دبلوماسية ثقافية” غائبة عن أولويات الدولة حتى الآن.

أرقام تكشف حجم الهوة

الإحصائيات في هذا الملف صادمة: مليون قارئ عربي فقط يقرؤون ثلاثين كتابًا في السنة مجتمعين، مقابل قراءة الفرد الياباني الواحد لأربعين كتابًا سنويًا. وفي المغرب، لا يعمل فعليًا سوى أقل من ثمانين مكتبة من أصل ما يقارب 600 مكتبة عمومية مسجلة رسميًا، بينما تحول عدد منها إلى مخابز أو محال لبيع الأدوات المدرسية. في المقابل، تعج المدن بآلاف المقاهي التي تستقطب الجمهور أكثر بكثير من أي مكتبة.

مسؤولية مشتركة: البيت والمدرسة والدولة

يُجمع كثيرون على أن تراجع القراءة ليس مسؤولية جهة واحدة. فالمدرسة التي كانت توفر خزانات صغيرة داخل الفصول لتبادل الكتب بين التلاميذ، تخلّت تدريجيًا عن هذا الدور. والأسرة، بدورها، مطالبة بتخصيص ميزانية لشراء الكتب وتخصيص ركن للقراءة داخل البيت، في مواجهة انتشار الشاشات والهواتف الذكية التي غيّرت عادات الأجيال الجديدة جذريًا.

نحو خطة وطنية للقراءة

الحل، بحسب أغلب الفاعلين في المجال، لا يكمن في إجراءات متفرقة، بل في سياسة عمومية شاملة تُبنى عبر حوار وطني حقيقي حول الكتاب والقراءة، يُلزم كل الأطراف: وزارة التربية الوطنية، ووزارة الثقافة، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني. رؤية موحدة تراهن بالأساس على التعليم الابتدائي كنقطة انطلاق لبناء جيل قارئ بحلول العقد المقبل.

وفي انتظار تبلور هذه الرؤية، يبقى الأمل – كما يردد كثير من الكتّاب أنفسهم – هو الوقود الوحيد المتاح لمواصلة الكتابة، رغم كل الإكراهات، إيمانًا بأن العلاقة المتوترة اليوم بين المغربي وكتابه قابلة للإصلاح، متى توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *