شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

سبتة.. حين يتحول حلم الهجرة إلى أزمة ثقة في المستقبل

أزمة سبتة

أمين طاهر: رئيس تحرير موقع البوصلة

لم تكن موجة العبور الجماعي نحو سبتة أواخر يوليوز مجرد حادثة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، ولا يمكن اختزالها في تأثير منشورات مضللة على شبكات التواصل الاجتماعي أو في البحث عن فرص اقتصادية أفضل. فالحدث، بحجمه وسرعته وتركيبته العمرية، أعاد إلى الواجهة سؤالا أعمق: ماذا يقول اندفاع آلاف المغاربة نحو حدود أوروبا عن تصور جزء من الشباب لمستقبله داخل المغرب؟

فبين 29 و31 يوليوز، شهد محيط سبتة تدفقا جماعيا غير مسبوق، وقدمت السلطات المغربية تقديرا بنحو 40 ألف شخص حاولوا التوجه نحو المنطقة، بينما قدمت السلطات الإسبانية أرقاما مختلفة وأعلى. وخلفت الأحداث أيضا وفيات، فيما بقي عدد من القاصرين في رعاية السلطات الإسبانية، وسط نقاش حقوقي وسياسي واسع حول ظروف العبور وتدبير الأزمة. كما رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار محتويات رقمية مرتبطة بالأحداث، وأشار إلى وجود معلومات مضللة ساهمت في تشكيل تصورات خاطئة حول إمكانية الوصول إلى سبتة والبقاء فيها. لكن الأرقام لا تجيب وحدها عن السؤال المركزي: لماذا؟

من أزمة الهجرة إلى أزمة المستقبل

تذهب دراسة للباحث زكرياء حلوي، نشرها مركز الجزيرة للدراسات في 19 غشت، إلى أن أحداث سبتة تستدعي تجاوز التفسير التقليدي للهجرة باعتبارها نتيجة مباشرة للبطالة أو الفقر. فالدراسة تقرأ الظاهرة باعتبارها مؤشرا على تغير علاقة جزء من الشباب المغربي بالمستقبل، وعلى اتساع الفجوة بين ما يتطلع إليه الشاب وما يعتقد أنه قادر على تحقيقه داخل مجتمعه.

وفق هذه القراءة، لا يصبح الخارج مجرد مكان للحصول على راتب أفضل، بل يتحول إلى مستقبل متخيل: فرصة للاستقلال، وتحسين الوضع الاجتماعي، واكتساب الاعتراف، وبناء حياة تبدو أكثر قابلية للتحقق.

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الحالة المغربية. فالمغرب شهد خلال السنوات الماضية توسعا في البنية التحتية والاستثمار والرقمنة ومشاريع التنمية، لكن ذلك لم يمنع استمرار شعور جزء من الشباب بأن الانتقال من التعليم إلى العمل، ومن العمل إلى الاستقلال، ثم إلى الارتقاء الاجتماعي، ما يزال صعبا وبطيئا.

وتشير أحدث معطيات سوق الشغل إلى أن معدل المشاركة الاقتصادية للفئة العمرية 15–24 سنة بلغ 22.9% خلال الفصل الثاني من 2026، مقابل 56.8% للفئة 25–34 سنة. وفي الوقت نفسه، يواصل البنك الدولي التنبيه إلى اختلالات مرتبطة بخلق فرص العمل وملاءمة التعليم والتكوين مع حاجيات الاقتصاد. وهذا يعني أن المشكلة لا تختزل في سؤال: هل توجد وظائف أم لا؟ بل تمتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: هل يستطيع الشاب الذي يحصل على تعليم أو تكوين أن يحوله إلى مسار واضح نحو الاستقلال والاستقرار؟

العمل ليس دخلاً فقط

في هذه النقطة، تكتسب قراءة عالم الاجتماع مهدي عليوة أهمية خاصة. فقد اعتبر، في حديث نقلته «لوموند» ضمن تغطيتها لأحداث سبتة، أن القضية لا تتعلق بالفقر وحده، وإنما بما يمكن وصفه بـالهشاشة؛ أي وجود عمل أو تعليم أو مؤهلات لا تتحول بالضرورة إلى استقلال اجتماعي أو شعور فعلي بالتقدم. وهذا يفسر لماذا لا يمكن بناء تحليل الظاهرة على صورة نمطية تقول إن المهاجر غير النظامي هو بالضرورة شخص بلا تعليم أو بلا عمل.

فبعض المشاركين في موجة سبتة كانوا شبابا، وبعض الشهادات التي نقلتها وسائل إعلام عن مشاركين أو مقربين منهم تحدثت عن أشخاص لديهم أعمال أو مسارات دراسية، لكنهم لا يرون في وضعهم الحالي مسارا كافيا لبناء الحياة التي يتطلعون إليها. وهنا يتحول العمل من مجرد مصدر للدخل إلى اختبار للكرامة والاستقلال والاعتراف الاجتماعي.

فوظيفة لا تسمح للشاب بالسكن باستقلالية، أو بناء أسرة، أو تطوير مساره المهني، أو التخطيط للمستقبل، قد لا تكون في نظره جوابا كاملا عن سؤال العمل، حتى وإن كان اقتصاديا محسوبا ضمن خانة “المشتغلين”.

حين يصبح الخارج أكثر حضورا من الداخل

تتداخل هذه العوامل مع تحول جذري في طريقة الشباب في تصور العالم. جيل اليوم لا يحتاج إلى الهجرة حتى يرى أوروبا. الهاتف الذكي ينقل إليه يوميا صورا عن أنماط الحياة، والأجور، والسكن، والاستهلاك، والتعليم والعمل في الخارج. وفي الوقت نفسه، تعرض المنصات الاجتماعية قصصا فردية للنجاح، غالبا دون أن تعرض الكلفة والفشل والمخاطر بالقدر نفسه.

تقول الدراسات إن البيئة الرقمية لا تساهم فقط في تكوين صورة عن الخارج، بل يمكن أن تساعد أيضا في تحويل قرار فردي إلى سلوك جماعي سريع. وهذا ما ظهر في سبتة، حيث ساهم تداول معلومات غير دقيقة بشأن الوضع القانوني وإمكانية العبور في تسريع توجه أعداد كبيرة نحو المنطقة.

وتشير معطيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن محتويات رقمية ومجموعات على شبكات التواصل لعبت دورا في تداول الروايات المرتبطة بالأحداث، وهو ما يجعل التضليل عاملا ينبغي أخذه بجدية، دون تحويله في الوقت نفسه إلى تفسير وحيد لما جرى.

الشائعة تستطيع أن تشعل لحظة، لكنها لا تفسر وحدها استعداد آلاف الأشخاص للاستجابة لها. فالمعلومة المضللة قد تكون الشرارة، لكنها تحتاج إلى بيئة اجتماعية يكون فيها حلم الرحيل أصلاً قابلا للتصديق.

من “الخروج” إلى “الصوت”

من زاوية أخرى يمكن قراءة أحداث سبتة أيضا من خلال تراجع الفضاءات التي كانت تستوعب الغضب الاجتماعي وتؤطره. ونستحضر هنا مرحلة كانت فيها الأحزاب والنقابات أكثر حضورا في الحياة اليومية، وكانت الهياكل المحلية والإقليمية فضاءات لمتابعة الأزمات ومناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية، وجزء من هذا الدور أصبح اليوم أكثر ارتباطا ب”المواسم الانتخابية”. إذا ماذا يحدث عندما يشعر الشباب بالغضب أو الإحباط ولا يجد فضاء مؤسسيا قريبا منه لتحويل هذا الشعور إلى نقاش ومطلب ومشاركة؟

اليوم لم يعد حضور الأحزاب في حياة المواطن بالقدر نفسه من الاستمرارية التي كانت عليها في مراحل سابقة، بينما يحتاج الشباب إلى مؤسسات حاضرة في قضايا العمل والكرامة والأفق، وليس فقط خلال الحملات الانتخابية. كما تربط بين أحداث سبتة وبين الحاجة إلى إعادة الاعتبار لأدوار التأطير السياسي والمدني. وهنا نتساءل مرة أخرى: إذا لم يجد الشاب مساحة للتعبير داخل المؤسسة، فإلى أين يذهب غضبه؟

قد يذهب إلى الشارع، أو إلى شبكات التواصل، أو إلى العزوف، أو إلى الهجرة. والهجرة هنا يمكن قراءتها، في بعض الحالات، ليس فقط كبحث عن مكان آخر، بل باعتبارها انسحابا من واقع لم يعد الفرد يرى داخله مسارا واضحا لتحقيق طموحاته.

الأحزاب أمام سؤال مختلف

من السهل تحويل هذا الاستنتاج إلى اتهام للأحزاب، لكن ذلك سيكون تبسيطا آخر. الأحزاب المغربية ليست وحدها المسؤولة عن البطالة أو السكن أو الفوارق الاجتماعية، كما أن الشباب لا يهاجرون لأن الأحزاب لم تفتح لهم مقراتها. غير أن سؤال التأطير السياسي يظل مشروعا.

فالأحزاب، وفق الدستور، ليست مجرد آليات انتخابية، وإنما تضطلع بأدوار مرتبطة بتأطير المواطنين والمساهمة في تكوينهم السياسي والتعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في الحياة العامة. ومن هذه الزاوية، تطرح أحداث سبتة سؤالاً على الحياة الحزبية نفسها: هل ما تزال الأحزاب قادرة على الوصول إلى الشباب قبل لحظة الانتخابات؟ وهل توجد قنوات حقيقية يستطيع من خلالها شاب غاضب أو عاطل أو محبط أن يدخل إلى فضاء سياسي ويقول: “لدي مشكلة”؟ أم أن العلاقة أصبحت في كثير من الأحيان تبدأ مع الانتخابات وتنتهي بانتهائها؟

غياب المعلومة

تنتقل بنا هذه التساؤلات إلى نقاش آخر: وهو حق الجمهور في معرفة ما جرى. فتوفير المعلومات المتعلقة بكيفية بدء الأحداث وتطورها وتدبيرها، مسؤولية الدولة وإعلامها، وغياب المعطيات الواضحة يترك المجال للتكهنات وتضارب الروايات والإشاعات. وهذه النقطة تتقاطع مع تجربة سبتة نفسها.

فكلما كانت المعلومة الرسمية متأخرة أو مجتزأة، يصبح الهاتف مصدرا بديلا للمعلومة؛ وكلما غابت الرواية الموثوقة، ظهرت روايات أخرى قد تكون مبنية على إشاعة أو مقطع مبتور أو تفسير خاطئ. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحرية الإعلام، بل أيضا بإدارة الأزمات في عصر المنصات الرقمية. في زمن يستطيع فيه مقطع مدته 20 ثانية أن يحرك آلاف الأشخاص، تصبح سرعة المعلومة الرسمية ودقتها جزءا من إدارة الأزمة نفسها.

سبتة ليست مرآة للفقر وحده

هناك خطر في أن نقرأ أحداث سبتة من خلال تفسير واحد.

فإذا قلنا إن الشباب هاجروا بسبب البطالة، سنفوت جانبا مهما. وإذا قلنا إن السبب هو وسائل التواصل الاجتماعي، سنفوت جانبا آخر. وإذا قلنا إن المشكلة هي ضعف الأحزاب، سنحمل المؤسسات السياسية أكثر مما “تحتمل”. وإذا قلنا إن الأمر مجرد نشاط لشبكات منظمة، سنحتاج إلى أدلة أقوى من مجرد وجود تلك الشبكات.

المعطيات المتاحة تسمح، في المقابل، برؤية تفاعل عدة عوامل:

ضغط اقتصادي واجتماعي + أزمة توقعات + صعوبة الاندماج المهني + مقارنة رقمية مستمرة + معلومات مضللة + ضعف بعض قنوات التأطير والمشاركة + جاذبية أوروبا في المخيال الاجتماعي. والأهم أن هذه العوامل لا تعمل منفصلة.

قد يكون الشاب عاطلا، لكن ليس كل عاطل يفكر في الهجرة. وقد يرى حياة الأوروبيين على هاتفه، لكن ليس كل من يشاهد تلك الصور يغامر بحياته. وقد تصل إليه شائعة عن “فتح سبتة”، لكن الشائعة لا تكفي وحدها إذا لم تكن لديه أصلا رغبة في الرحيل. المشكلة إذن تقع في نقطة التقاء هذه العوامل.

السؤال الذي تركته سبتة للمغرب

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي كشفت عنه الأحداث ليس:

كيف نمنع الهجرة غير النظامية؟ فهذا سؤال أمني وإداري له أدواته. السؤال الأعمق هو:

كيف نجعل المستقبل داخل المغرب أكثر قابلية للتصديق بالنسبة لشاب يريد أن يبني حياته؟

هذا يعني فرص عمل، لكنه يعني أكثر من ذلك. يعني تعليما يقود إلى مسار مهني واضح. يعني تكوينا يتطابق مع الاقتصاد. يعني أجرا يسمح بالاستقلال. يعني سكنا يمكن تحمله. يعني فضاءات ثقافية ورياضية ومدنية. يعني مؤسسات سياسية تستمع قبل أن تطلب الصوت الانتخابي. ويعني أيضا إعلاما ومؤسسات عمومية قادرة على تقديم المعلومة في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، ينسجم جزء من هذه الأسئلة مع توجهات البنك الدولي في شراكته الجديدة مع المغرب، التي تضع خلق فرص العمل والإدماج الاقتصادي للشباب والنساء وتحسين ملاءمة التعليم والتكوين مع حاجيات الاقتصاد ضمن أولوياتها. كما يقدر البنك الدولي أن الإصلاحات الهيكلية القادرة على تعزيز الاستثمار الخاص يمكن أن تساهم في خلق ملايين فرص العمل الإضافية خلال العقد المقبل.

من “منع الرحيل” إلى “بناء أسباب البقاء”

لا يمكن لأي دولة أن تمنع الرغبة في الهجرة بالكامل. الهجرة ظاهرة إنسانية قديمة، وستظل موجودة حتى في المجتمعات الغنية. لكن الدولة تستطيع أن تؤثر في دوافع الهجرة وشروطها. يمكنها أن تجعل الرحيل اختيارا بين خيارات، بدلا من أن يصبح في مخيلة البعض الخيار الوحيد. وهنا تحديدا تكمن أهمية ما حدث في سبتة.

فالشاب الذي يغامر بحياته في البحر لا يقدم بالضرورة حكما نهائيا على بلده، لكنه يقدم إشارة تستحق الاستماع إليها. إشارة تقول إن هناك فجوة بين المستقبل الذي يتخيله والمستقبل الذي يعتقد أنه يستطيع الوصول إليه هنا. وقد تكون مهمة السياسات العمومية والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام ليست فقط إقناعه بعدم الرحيل، وإنما إعطاؤه أسبابا معقولة للاعتقاد بأن البقاء يمكن أن يكون مشروع حياة أيضاً وهنا يصبح ملف سبتة أكبر من الحدود والهجرة.

إنه سؤال عن الثقة. الثقة في المدرسة، وفي العمل، وفي المؤسسات، وفي السياسة، وفي القدرة على الترقي الاجتماعي، وفي إمكانية أن يرى الشاب نتيجة لسنوات الدراسة والعمل والانتظار. فإذا كان الخارج يبدو دائما أقرب إلى المستقبل من الداخل، فإن معالجة الظاهرة لن تبدأ عند الحدود فقط.

ستبدأ قبل ذلك بكثير: في المدرسة، وفي سوق الشغل، وفي الحي، وفي الحزب، وفي المؤسسة، وفي الهاتف الذي يحمل العالم كله إلى يد الشاب.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *