في الرباط، تضاء السماء بالليزر، ويهتز الأسفلت تحت أقدام مئتي ألف حاضر في ليلة واحدة. الأضواء تصل إلى الأقمار الصناعية، والأغنية تتردد في كل بيت مغربي عبر الشاشة العمومية. وعلى بعد كيلومترات قليلة، في حي شعبي أو مدينة صغيرة لا تظهر في نشرات الأخبار، مشهدان يتكرران بصمت: أمين مكتبة يُدير مفتاحاً صدئاً في قفل باب خشبي للمرة الأخيرة هذا الشهر، لأن الميزانية لم تعد تكفي حتى لفاتورة الكهرباء، وممثل مسرحي شاب يطوي ديكوراً مصنوعاً من الكرتون في قاعة مدرسية استعارها بالكاد، لأن “الفضاء الثقافي” الوحيد في مدينته مغلق منذ أشهر بذريعة “أشغال الصيانة”. لا أحد يصوّر هذين المشهدين. لا أحد يبثّهما مباشرة.
هذه ليست مبالغة أدبية. هذه صورة مغربية متكررة، تتكرر كل صيف، وتُطوى كل شتاء.
رقم لا يُقال بصوت عالٍ
لسنوات، ظل الجدل يلاحق كبرى المهرجانات الموسيقية المغربية، وفي مقدمتها موازين، حول علاقتها بالمال العام. صحيح أن المنظمين يؤكدون اليوم أن المهرجان استغنى رسمياً عن الدعم العمومي المباشر منذ سنوات، وأن أغلب موارده تأتي من الرعاة الخواص والتذاكر والفضاءات. لكن الصحيح أيضاً أن هذا النقاش نفسه لم يكن ليُطرح بهذا الإلحاح لو لم تكن الدولة، في مرحلة تأسيس هذه المهرجانات، قد فتحت الخزينة على مصراعيها، ولو لم تكن أجور بعض النجوم العالميين لا تزال تُقدَّر بالملايين في بلد يناقش فيه المواطن العادي سعر رغيف خبز.
هنا لا تكمن المشكلة في المهرجان بحد ذاته. المهرجان يملأ الفنادق، ويشغّل شباناً في التنظيم والأمن والنقل، ويمنح المدينة صورة عالمية لليلة واحدة. المشكلة أن هذا المنطق -منطق “نجد المال حين نريد”- يتوقف فجأة، وبشكل غامض، حين يتعلق الأمر بمكتبة أو مسرح أو دار ثقافة.
المكتبة التي نسيها الجميع
بحسب معطيات وزارة الثقافة نفسها، لا يتجاوز عدد المكتبات العمومية في المغرب 136 مكتبة، ضمن نحو 264 مؤسسة حكومية ذات صلة، في بلد يقترب عدد سكانه من 37 مليون نسمة. أي مكتبة واحدة تقريباً لكل ربع مليون مغربي. والأدهى أن مسؤولين في الخزانة الوطنية أنفسهم أقروا بأن نسبة كبيرة من هذه المكتبات لا تتوفر على أبسط الشروط الموضوعية لممارسة القراءة: لا تهوية، لا إضاءة كافية، لا تحديث للرصيد الوثائقي، ولا حتى كرسي مريح يجلس عليه طالب يحضّر لامتحانه.
وحين يتعلق الأمر بمثال لا يحتاج إلى إحصائية ليقول ما يريد قوله، تكفي واقعة واحدة: في مدينة بركان، شرق المملكة، لم يُكتفَ حتى بإغلاق المكتبة العمومية الوحيدة التي كانت تخدم أبناء المدينة وضواحيها، بل جرى هدمها بالكامل. لم يعد هناك جدار يمكن أن يُعاد فتحه يوماً، ولا رفّ يمكن أن يُغبَّر عليه من جديد. المدينة، ببساطة، أصبحت بلا مكتبة عمومية واحدة. وهذا الفارق الدقيق بين “الإغلاق” و”الهدم” هو بالضبط ما يفصل بين أزمة مؤقتة يمكن تصحيحها بقرار إداري، وبين قطيعة نهائية مع فكرة أن يكون لكل مدينة مغربية حق أساسي في فضاء للقراءة.
المسرح الذي يُبنى فارغاً
والمفارقة الأشد إيلاماً لا تكمن في غياب المسارح، بل في وجودها أحياناً كأبنية فارغة من الحياة. المغرب يملك اليوم مسرح الرباط الكبير، أضخم صرح مسرحي في العالم العربي وأفريقيا بمساحة تفوق 47 ألف متر مربع، ويملك مسارح أخرى لا تقل جمالا أو روعة. لكن بين هذه الواجهات المعمارية المهيبة وواقع الممارسة المسرحية اليومية، هوّة عميقة: تقارير قطاعية متعددة تصف نظام دعم المسرح بأنه يعاني اختلالات هيكلية، وأن عدد القاعات الصالحة فعلياً للعرض لا يغطي إلا نسبة ضعيفة من التراب الوطني. وفي خريف 2025 وحده، وجّهت النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية مراسلة رسمية إلى الوزارة الوصية، تعبّر فيها عن استياء بالغ من فوضى في صرف منح الفرق المسرحية، بينما تبقى مشاريع سابقة لتوطين هذه الفرق داخل مركّبات ثقافية دائمة مجرد وعود “أُقبرت” في الأدراج.
فالمسرحي المغربي، كما يشهد على ذلك كثير من أهل المهنة، يُتوَّج أحياناً في مهرجانات دولية بأعمال بريقها يتجاوز الحدود، بينما يعود إلى بلده ليبحث عن قاعة يتدرب فيها بلا كهرباء منقطعة أو سقف يتسرب منه المطر. المبنى موجود. الفرقة غائبة. وهذا بالضبط ما يجعل الشعار “بنينا مسارح” غير كافٍ ما لم يرافقه سؤال أعمق: هل مُوّلت هذه المسارح لتُملأ بالفرجة الحية طوال السنة، أم لتُفتتح مرة واحدة وتُصوَّر للأرشيف الرسمي؟
المفارقة التي لا يريد أحد سماعها
والمفارقة أن البلد نفسه الذي يرتب سهرة فنية بميزانية توازي ميزانية بناء عشرات المكتبات، هو البلد الذي تصنّفه التقارير الدولية المتعاقبة ضمن الدول التي تعاني أزمة حادة في مستوى الفهم القرائي لدى تلاميذها. أي إننا ننفق على “الاستعراض” أضعاف ما ننفقه على “الأداة” التي تصنع مواطناً قادراً على التفكير النقدي أصلاً. هذه ليست مصادفة إحصائية. هذه نتيجة منطقية لثلاثين سنة من اختيارات ميزانياتية واضحة: الصورة تُموَّل، والفكرة تُترك لحظها.
ولنكن دقيقين هنا، حتى لا يُفهم هذا الكلام على غير وجهه: لسنا ممن يطالبون بإيقاف المهرجانات أو تجفيف منابعها. المهرجان جزء من صورة المغرب الذي يستعد لاستضافة كأس العالم 2030، وجزء من اقتصاد سياحي حقيقي لا يمكن الاستهانة به. ما ندعو إليه أبسط وأصعب في آن: أن يكون هناك إنصاف بين ثلاثة أطراف لا طرفين: السهرة التي تُضاء ليلة واحدة، والمكتبة التي تُفتح كل صباح، والمسرح الذي ينبغي أن تعبره فرقة كل أسبوع لا موكب رسمي كل عقد. أن توضع ميزانية الكتاب وميزانية الخشبة الحية في نفس الطاولة التي توضع فيها ميزانية السهرة، لا في الهامش الذي يُوزَّع بعد أن تُغلق كل الحسابات الكبرى.
ما تصنعه القراءة والمسرح، ولا تصنعه أي سهرة
لأن الكاتب الذي يقرأ يومياً في مكتبة حقيقية، لا في تطبيق هاتف بين إشعار وآخر، يبني ذخيرة لغوية وذاكرة ثقافية لا تُشترى بأي عقد رعاية. والممثل المسرحي الذي يتدرب على خشبة حقيقية، أمام جمهور حي يتنفس ويصفّق ويصمت في اللحظة المناسبة، يكتسب من الانضباط والحضور والقدرة على القراءة السريعة لرد فعل الآخرين، ما لا يصنعه أي استوديو تسجيل مغلق. أما المتلقي -القارئ العادي، أو ذلك الطفل الذي يجلس في الصف الأول لأول مسرحية في حياته- فهو يتعلم شيئاً أعمق من الترفيه: يتعلم الصبر على فكرة معقدة، والتعاطف مع شخصية مختلفة عنه، والقدرة على طرح سؤال بدل انتظار جواب جاهز. هذه، بالضبط، هي المهارات التي يحتاجها بلد يستعد لانتخابات مصيرية، ولعالم يتغير بسرعة لا ترحم من لا يملك أدوات التفكير.
سهرة واحدة تنتهي بعد منتصف الليل، وتبقى منها الصور على الهواتف. مكتبة مفتوحة طوال السنة، ومسرح تعبره فرقة كل أسبوع، يصنعان، بصمت، جيلاً كاملاً. أيهما أجدر بالاستثمار الحقيقي؟
كلمة أخيرة
حين تُقاس قيمة الثقافة بعدد المشاهدين في ليلة واحدة، لا بعدد القراء الذين تخرّجهم مكتبة على مدى عشر سنوات، ولا بعدد الفرق المسرحية التي تصمد رغم قاعة بلا كهرباء، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية ليس: “لماذا تُقام هذه المهرجانات؟”، بل: من قرر، وبأي معيار، أن الضوء أهم من الكتاب والخشبة معاً، وأن التصفيق أعلى قيمة من الصمت الذي يصنعه قارئ منحنٍ على صفحة، أو ممثل يتدرب في العتمة بلا جمهور بعد؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
