في الوقت الذي بدأت فيه عملية إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية المغربية، برزت معطيات أولية تعيد سؤال حضور النساء في السياسة إلى واجهة النقاش: 61 دائرة انتخابية محلية من أصل 92 لا توجد فيها، وفق الرصد الأولي، امرأة على رأس لائحة انتخابية.
المعطيات أصدرتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة في إطار رصد للحضور النسائي في الاستحقاقات التشريعية، بشراكة مع المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي. ويهم الرصد الترشيحات المعلنة من الأحزاب الأحد عشر الممثلة في مجلس النواب، ويبقى هذا الرقم حسب البيان الصادر عن الجمعية، “معطى أوليا قابلا للتغيير مع استمرار عملية إيداع الترشيحات، وليس حصيلة نهائية للانتخابات”.
وبحسب المعطيات نفسها، تم رصد 40 ترشحا نسائيا معلنا عن ترشحهن على رأس لوائح انتخابية محلية، موزعات على 32 دائرة على المستوى الوطني. وهذا يعني أن وجود النساء في قيادة اللوائح، وفق الرصد الأولي، يظل مركزا في أقل من نصف الدوائر المحلية، بينما تخلو 61 دائرة من أي قيادة نسائية حتى لحظة الرصد.
ولا تكمن دلالة الرقم في مجرد مقارنة عدد النساء بعدد الرجال، وإنما في الموقع الذي تمنحه الأحزاب للنساء داخل المنافسة. فالترشح في حد ذاته لا يعني الشيء نفسه بالنسبة إلى مرشحة توجد في موقع متقدم يمكنها من قيادة اللائحة والمنافسة الفعلية، ومرشحة توجد في موقع أقل قدرة على الوصول إلى المقعد.
وتكشف المعطيات الأولية كذلك عن تفاوت جغرافي واضح. فبحسب الجمعية، تتركز 14 حالة من أصل 40 ترشيحا نسائياً مرصودا في ست دوائر فقط، بينما تسجل دائرة الدار البيضاء ـ أنفا وحدها أربع نساء على رأس لوائح انتخابية مختلفة. وفي القراءة الجهوية، تتركز 25 حالة من أصل 40 في أربع جهات، هي الدار البيضاء ـ سطات، وفاس ـ مكناس، والرباط ـ سلا ـ القنيطرة، وسوس ـ ماسة.
وهذا التوزيع يفتح سؤالا أعمق من سؤال العدد: هل تتعامل الأحزاب مع ترشيح النساء باعتباره خيارا سياسيا وطنيا، أم باعتباره قرارا يتأثر بخصوصية كل دائرة وبقوة المرشحات محليا؟
المعطيات لا تسمح وحدها باتهام حزب بعينه أو الجزم بأن الأحزاب جميعها تتبع السياسة نفسها، كما أنها لا تسمح بتوقع عدد النساء اللواتي سيفزن فعليا بمقاعد البرلمان. لكنها تكشف بوضوح عن فجوة بين الحضور النسائي في الخطاب السياسي وبين موقع النساء في قيادة المنافسة الانتخابية المحلية.
وهذه الفجوة -حسب بيان الجمعية- تستحق النقاش لأن الانتخابات التشريعية ليست مجرد عملية عددية لاختيار 395 نائبا؛ إنها أيضا مناسبة لإعادة تشكيل النخب السياسية التي ستشارك في التشريع ومراقبة الحكومة وصناعة السياسات العمومية. لذلك فإن السؤال حول من يقود اللوائح “ليس سؤالا شكليا، بل يتعلق بطبيعة النخب التي ستصل إلى البرلمان المقبل”.
الجمعية نفسها دعت الأحزاب إلى توسيع دائرة المشاركة الانتخابية للنساء على رأس اللوائح، مؤكدة أن الأرقام الأولية تثير الانتباه إلى محدودية حضور النساء في موقع القيادة، وإلى استمرار التفاوت في توزيع الترشيحات جغرافيا وحزبيا. كما أعلنت مواصلة الرصد خلال فترة إيداع الترشيحات، على أن تشمل القراءة النهائية توزيع الترشيحات حسب الأحزاب والجهات والدوائر وطبيعة الدوائر التي أسندت فيها رئاسة اللوائح للنساء ومدى تنافسيتها.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأن الانتخابات الحالية تجري في مرحلة سياسية يكثر فيها الحديث عن تجديد النخب وعن مشاركة الشباب والنساء وعن الحاجة إلى دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة. وإذا كانت هذه العناوين ستتحول إلى جزء من الخطاب الانتخابي خلال الحملة التي تنطلق في 10 شتنبر، فإن الأرقام ستضع الأحزاب أمام اختبار عملي: من ستدفع إلى الواجهة، وليس فقط ماذا ستقول عن التمكين السياسي؟
في المقابل، ترى بعض المنظمات النسائية أنه “يجب الحذر من اختزال تمثيلية المرأة في مجرد رفع عدد المرشحات. فالمشاركة السياسية الحقيقية تتطلب أيضا مواقع تنافسية”، وإمكانات متكافئة في الحملة، وموارد سياسية وتنظيمية، وقدرة على الوصول إلى الناخبين، وبيئة انتخابية خالية من العنف والتحرش والضغط الرقمي.
ومن هنا فإن الرقم 61 دائرة يطرح أسئلة متعددة: ماذا ستفعل الأحزاب في بقية الدوائر؟ كم امرأة ستقود اللوائح بعد انتهاء فترة الإيداع؟ ما الأحزاب الأكثر ترشيحا للنساء؟ وفي أي دوائر وضعت النساء في مواقع تنافسية فعلا؟ وهل تتغير الخريطة بعد إغلاق باب الترشيحات؟
الانتخابات المقبلة ستعطي الإجابة الأولى. لكن السؤال الأكبر سيبقى قائما: هل تريد الأحزاب المغربية زيادة حضور النساء في البرلمان، أم أنها تريد فقط الحفاظ على حضورهن في الخطاب الانتخابي؟
فالتمثيلية لا تبدأ يوم إعلان النتائج؛ إنها تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها الحزب من يستحق أن يوضع في مقدمة اللائحة.
