يتجه المغرب إلى اختبار استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة الصفقات العمومية، في مشروع تقوده محكمة الحسابات والمجالس الجهوية للحسابات بشراكة مع البنك الدولي و”Trust Valley”، بهدف تطوير أداة قادرة على فحص كميات كبيرة من البيانات والوثائق ورصد مؤشرات قد تستدعي تدقيقا إضافيا.
المبادرة دخلت مرحلة البحث عن نموذج أولي، بعدما فتحت الجهات المشرفة المجال أمام الشركات الناشئة والمتوسطة والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتقديم حلول تقنية. وحدد 10 شتنبر 2026 موعدا نهائيا لتلقي الترشيحات، على أن يتم اختيار المشاريع التي ستعمل على تطوير نموذج تجريبي “Proof of Concept” خلال المرحلة المقبلة.
التحول الأساسي الذي يستهدفه المشروع يكمن في طريقة التعامل مع حجم الصفقات العمومية. فبدلا من الاعتماد فقط على فحص عينات من الملفات، يراد للأداة أن تمكن أجهزة الرقابة من إجراء اختبارات أولية على مجموع الصفقات الواقعة ضمن نطاق مهمة رقابية معينة.
وتشمل العملية استغلال البيانات المنظمة المتوفرة في بوابة الصفقات العمومية، وربطها بالوثائق غير المهيكلة الموجودة في ملفات طلبات العروض، من دفاتر التحملات ودفاتر الشروط الإدارية والتقنية، إلى شبكات التقييم ومحاضر لجان فتح الأظرفة وتقييم العروض.
وبذلك يمكن للنظام، مثلا، مقارنة المعطيات المنشورة مع الوثائق الأصلية، وفحص مدى احترام بعض القواعد التنظيمية، والبحث عن مؤشرات مرتبطة بشروط قد تقيد المنافسة أو معايير تقييم قد تستوجب المراجعة.
بحسب التصور الرسمي للمشروع، سيركز الحل التقني على ثلاث مراحل تعتبرها محكمة الحسابات والمجالس الجهوية للحسابات من أكثر مراحل مسطرة الصفقات تعرضا لمخاطر عدم الانتظام: المنافسة، تقييم العروض، وإسناد الصفقات.
كما يفترض أن تكون الأداة قادرة على تحليل مضمون الوثائق، وليس فقط قراءة الأرقام والبيانات المنظمة. ويشمل ذلك البحث عن مواصفات قد تبدو موجهة، أو معايير تقييم تمييزية، أو آجال إشهار قد لا تستجيب للقواعد المعمول بها.
لكن وجود مؤشر من هذا النوع لن يعني، في حد ذاته، وجود مخالفة. فالمواصفة التقنية الدقيقة قد تكون مبررة بطبيعة المشروع، كما أن الاختلاف بين معطيين قد تكون له أسباب قانونية أو تقنية. لذلك صمم النظام أساسا لإطلاق تنبيه قابل للتحقق وليس لإصدار حكم نهائي.
هذه النقطة تمثل أحد أهم عناصر المشروع. فالخوارزمية لن تمنح سلطة تقرير وجود مخالفة أو مسؤولية قانونية، وإنما ستساعد أجهزة الرقابة على تحديد الملفات والعناصر التي تستحق مزيدا من الفحص.
وتنص المواصفات على أن يكون لكل تنبيه سجل واضح يبين مصدره والقاعدة الرقابية التي أدت إلى إطلاقه، مع مقارنة بين القيمة أو المعطى المتوقع وما تم رصده فعليا. وهذا يتيح للمراقب الرجوع إلى الوثيقة الأصلية وفهم سبب التنبيه قبل اتخاذ أي موقف.

بعبارة أكثر مباشرة: الآلة تبحث وتقارن وترتب الأولويات، أما التحقق والتقدير القانوني فيبقيان من اختصاص الإنسان.
ولا يتعلق الاختبار بالدقة فقط، بل أيضا بكيفية التعامل مع البيانات العمومية الحساسة. فالمواصفات المنشورة للمبادرة تشترط قدرة الحل المقترح على العمل داخل البنية التحتية المحلية، مع احترام متطلبات سيادة البيانات، وهو ما يعني عدم بناء النظام على استدعاءات إلى واجهات ذكاء اصطناعي سحابية خارجية.
كما ستتاح للشركات المرشحة، ضمن مرحلة النموذج التجريبي، بيانات منظمة مقتطفة من بوابة الصفقات العمومية، ونماذج مجهلة من ملفات طلبات العروض، إضافة إلى النصوص التنظيمية ذات الصلة، بما فيها المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية.
المشروع ليس معزلا عن التحول الذي تعرفه الرقابة على الإنفاق العمومي عالميا. فالبنك الدولي يدعم منذ سنوات استخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في أنظمة المشتريات العمومية، بهدف تحسين مراقبة الإنفاق، واكتشاف مكامن عدم الكفاءة، ورصد المخاطر في كميات كبيرة من البيانات.
وفي يونيو الماضي، أكد البنك الدولي، خلال منتدى دولي حول المشتريات العمومية، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الحكومات على تعزيز الشفافية وتحسين قيمة الإنفاق العمومي، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية البنية التحتية للبيانات وقابلية التشغيل البيني والأطر التنظيمية والحكامة.
بالنسبة للمغرب، لا تزال التجربة في بدايتها، إذ لم يتم بعد اختيار الحل النهائي أو تعميمه على أجهزة الرقابة. غير أن طبيعة المواصفات تكشف عن توجه يتجاوز مجرد رقمنة الوثائق نحو بناء أدوات قادرة على تحليلها وربطها واستخراج مؤشرات منها.
وفي حال أثبت النموذج الأولي نجاعته، فقد يمنح ذلك أجهزة الرقابة قدرة أكبر على التعامل مع حجم الصفقات والوثائق، وتسريع مرحلة فرز الملفات، وتوجيه الجهد البشري نحو الحالات التي تستدعي تدقيقا معمقا.
لكن نجاح التجربة سيبقى مرتبطا بجودة البيانات، ودقة التنبيهات، ووضوح أسسها، وقدرة المراقبين على تفسير نتائجها. فالذكاء الاصطناعي، في هذا المجال، لا يصنع وحده رقابة أقوى؛ بل يوفر أداة جديدة للرقابة، فيما تظل المسؤولية المهنية والقانونية والحكم النهائي بيد الإنسان.
