شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

وعود انتخابية بالمليارات.. من أين ستأتي الأحزاب بالمال؟

انتخابات

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر، لم تعد البرامج الحزبية تكتفي بتحديد الأولويات العامة، بل دخلت بشكل مباشر إلى مساحة الأرقام الثقيلة: ملايين مناصب الشغل، زيادات في الأجور والمعاشات، توسيع للدعم الاجتماعي، استثمارات جديدة وإجراءات ضريبية، بما يفتح سؤالا بسيطا في صياغته وثقيلا في حساباته: “من أين سيمول كل ذلك؟”

المسألة لا تتعلق بالتشكيك في الوعود الانتخابية، بل بوضعها أمام المعطيات المالية التي ستجدها الحكومة المقبلة على طاولة العمل. فكل التزام سياسي له في النهاية كلفة اقتصادية، وكل نفقة إضافية تحتاج إلى مورد أو إلى إعادة ترتيب لأولويات الإنفاق، بينما تظل القدرة على الاقتراض مرتبطة بمستوى العجز والمديونية وبالثقة في المسار المالي للدولة.

في سباق الأرقام، حدد حزب الأصالة والمعاصرة الكلفة الإضافية التراكمية لبرنامجه الانتخابي في 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، من 2027 إلى 2031، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا، مع الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة سنة 2031.

ويقدم الحزب أيضا تصورا واضحا لمصادر التمويل، إذ يعول على تعبئة 300 مليار درهم من الأثر الإضافي الناتج عن النمو، إلى جانب 40 مليار درهم من مساهمة الجماعات الترابية و10 مليارات درهم عبر إعادة تخصيص النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية. كما يربط تنفيذ باقي الالتزامات بتحقيق معدل نمو متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة نفسها.

أما التجمع الوطني للأحرار، فقد أعلن أن تنزيل برنامجه الانتخابي سيحتاج إلى نحو 224 مليار درهم إضافية خلال خمس سنوات، أي ما يقارب 45 مليار درهم سنويا. وقال محمد شوكي إن هذه الكلفة قابلة للتمويل، وربط تنفيذ البرنامج بقدرة الاقتصاد الوطني على التحمل واستدامة التوازنات المالية، فيما تحدث الحزب عن خلق مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة.

وفي المعارضة، أعلن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن الكلفة الإجمالية لبرنامجه الانتخابي تبلغ، وفق ما صرح به الكاتب الأول إدريس لشكر، 415 مليار درهم. وفي المقابل، رفع تحالف اليسار سقف تعهداته في مجال التشغيل إلى 300 ألف منصب شغل سنويا، أي 1.5 مليون منصب خلال الولاية الحكومية، مع اقتراح منحة شهرية قدرها 1500 درهم للخريجين الجدد خلال فترة البحث عن العمل.

غير أن هذه الأرقام لا يمكن وضعها في جدول حسابي واحد ثم اعتبارها قابلة للمقارنة المباشرة. فالكلفة الإجمالية المعلنة لا تعني بالضرورة إنفاقا عموميا صافيا بالمقدار نفسه، وقد تشمل استثمارات، وتحويلات اجتماعية، وإعفاءات أو تحفيزات ضريبية، أو موارد تعتمد على المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص. كما أن طريقة احتساب الكلفة والمدة الزمنية والفرضيات الاقتصادية تختلف من برنامج إلى آخر، وهو ما يفرض قراءة كل رقم ضمن السياق الذي قدمه الحزب نفسه.

المثير هنا أن جانبا كبيرا من هذه الوعود أصبح مرتبطا بفرضية النمو. ففي حالة الأصالة والمعاصرة مثلا، يفترض التصور المالي أن يؤدي تسارع النمو إلى توليد موارد إضافية تسمح بتمويل الجزء الأكبر من الكلفة المعلنة. وهذه ليست كتلة مالية جاهزة في الخزينة، بل موارد مستقبلية مشروطة بتحقق معدل نمو معين، وبقدرة الاقتصاد على توسيع النشاط والوعاء الضريبي.

وعود الانتخابات

وهنا يبرز ما يمكن تسميته “اختبار الضغط المالي” لأي برنامج انتخابي. ماذا يحدث إذا جاء النمو الاقتصادي أقل من الفرضية الموضوعة؟ ماذا لو استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع أو جاءت سنوات فلاحية صعبة أو تراجع الطلب الخارجي؟ في هذه الحالات لا تنخفض فقط سرعة الاقتصاد، بل يمكن أن تتأثر المداخيل الضريبية أيضا، بينما تبقى الالتزامات الاجتماعية والسياسات العمومية قائمة. وفي هذه النقطة تحديدا يتحول الحديث عن التمويل من وعد سياسي إلى مسألة مرتبطة بهامش المناورة الحقيقي للميزانية.

الحساب الأولي يعطي فكرة عن حجم الرهان. فإذا وزعت كلفة برنامج الأصالة والمعاصرة البالغة 350 مليار درهم على خمس سنوات، فنحن أمام نحو 70 مليار درهم سنويا. وهو رقم لا ينبغي مقارنته آليا بإجمالي ميزانية الدولة، لكنه يكفي لإظهار أن أي توسع كبير في الالتزامات يحتاج إلى ترتيبات مالية واضحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببرامج اجتماعية أو زيادات متكررة تمتد لسنوات.

وتكشف وثائق قانون المالية لسنة 2026 أن مجموع أعباء الدولة بلغ 761.3 مليار درهم، في حين تقدر نفقات الميزانية العامة بـ527.6 مليار درهم، بينما يصل إهلاك الدين العمومي متوسط وطويل الأجل إلى 64.2 مليار درهم، وتناهز فوائد وعمولات الدين 44.1 مليار درهم، أي أن خدمة الدين تقترب من 108.3 مليارات درهم. كما بني قانون المالية على فرضية نمو في حدود 4.6 في المائة، وعلى هدف لخفض العجز إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

ولا تقف الصورة عند العجز السنوي. فالمندوبية السامية للتخطيط تتوقع أن يبلغ الدين العمومي الإجمالي نحو 76.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 76.1 في المائة سنة 2027. وهذا لا يعني بالضرورة أن الدولة عاجزة عن تمويل برامج جديدة، لكنه يوضح أن أي توسع كبير في النفقات يحتاج إلى أن ينسجم مع مسار المالية العمومية ومع قدرة الاقتصاد على توليد الموارد اللازمة.

والمفارقة أن الحكومة المقبلة ستدخل مباشرة إلى هذا النقاش من بوابة قانون المالية لسنة 2027. فوزارة الاقتصاد والمالية نشرت بالفعل المذكرة التوجيهية الخاصة بإعداد المشروع، كما عرضت أمام لجنتي المالية في يوليوز الإطار العام لإعداد قانون المالية والبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات 2027-2029، بينما أدرج تقرير التنفيذ والتأطير الماكرو اقتصادي للسنوات المقبلة ضمن الوثائق الرسمية خلال شتنبر. وهذا يعني أن أول امتحان عملي للبرامج الانتخابية سيكون قريبا جدا: كيف ستنتقل التعهدات من الوثائق الحزبية إلى اعتمادات وبرامج داخل قانون المالية؟

ومن هنا تصبح أسئلة التمويل أكثر أهمية من مجرد حجم الرقم المعلن. هل ستعتمد الحكومة المقبلة على موارد جبائية إضافية؟ هل ستعيد ترتيب أولويات الإنفاق القائم؟ هل ستراهن على نمو أسرع؟ ما الذي سيمول من الميزانية العامة، وما الذي سيعتمد على الاستثمار الخاص أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص؟ وما هي الالتزامات التي يمكن تنفيذها دفعة واحدة، وأيها يحتاج إلى تدرج على مدى الولاية؟

الجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيحدد الفارق بين الكلفة المحاسبية للبرنامج والكلفة الصافية الفعلية على المالية العمومية. فليس كل مبلغ معلن في البرنامج الانتخابي يساوي بالضرورة مبلغا سيخرج من خزينة الدولة، كما أن الاعتماد على النمو لا يصبح تمويلا مؤكدا إلا بعد تحقق ذلك النمو وتولد موارده.

لهذا، فإن معيار قراءة جدية الوعود الانتخابية لا ينبغي أن يتوقف عند عدد مناصب الشغل أو حجم الدعم أو قيمة الغلاف المالي. الأهم هو معرفة الكلفة الصافية، ومصدر التمويل، والفرضيات الاقتصادية التي يقوم عليها، والجدول الزمني للتنفيذ، والجهة التي ستتحمل المسؤولية، ثم المؤشرات التي تسمح بمساءلة أصحاب الالتزامات بعد الوصول إلى الحكومة.

فالبرنامج الانتخابي يبدأ في الحملة كالتزام سياسي، لكنه بعد تشكيل الحكومة يتحول إلى أرقام داخل الميزانية، ونصوص تشريعية داخل البرلمان، وبرامج قطاعية تحتاج إلى تمويل وتنفيذ. وعندها فقط سيظهر الاختبار الحقيقي في عدم الاكتفاء بقراءة عدد الوعود التي تكشفها حملات الأحزاب للناخب، وإنما أي جزء من هذه الوعود يمكن تحويله إلى سياسة عمومية ممولة ومستدامة داخل دولة لها موارد محدودة والتزامات قائمة ومديونية يجب تدبيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *