مستشفيات عمومية: فاتورة طاقة خارج الرادار
حين يُطرح قطاع الصحة العمومية على طاولة النقاش، تتجه الأنظار حتمًا نحو الخصاص في الأطر الطبية، ندرة الأدوية، وطوابير الانتظار التي لا تنتهي أمام أقسام المستعجلات. غير أن هناك عصبًا خفيًا يدير هذه المنظومة بصمت ويثقل كاهل ميزانياتها دون أن ينال حظه من الرقابة أو التحليل: فاتورة الطاقة.
فحجم الاستهلاك الإجمالي للمستشفيات العمومية يحلق في مستويات مقلقة، والأكثر إثارة ليس الرقم في حد ذاته، بل حقيقة أن هذا الحجم الضخم من الطاقة يجري استهلاكه “خارج الرادار” المؤسساتي، بعيدًا عن أي ترشيد دقيق أو آليات حكامة طاقية واضحة.
المفارقة: بين المصانع الكبرى وأروقة العلاج
يكمن الخطأ القاتل في مقاربة استهلاك المستشفيات في تصنيفها كـ”مباني إدارية أو خدماتية عادية” تُطفئ أنوارها بنهاية الدوام. الواقع التقني يعاكس ذلك تماماً.
خذ مثال غرف العمليات الجراحية في المستشفيات الجامعية؛ فهذه الفضاءات الحيوية تستهلك طاقة جبارة بسبب متطلبات التكييف والتعقيم المستمر وتجديد الهواء. هذا الإيقاع يرفع كثافة الاستهلاك إلى مستويات تضاهي الصناعات الكبرى أو مراكز البيانات الرقمية. ومع ذلك، يصرّ الإطار التنظيمي على تصنيف المستشفى ضمن القطاع “الثالثي”، مما يخضعها لعتبات رقابية وقواعد تساهل طاقي تفشل كلياً في استيعاب الطبيعة “الصناعية” المعقدة للعمليات الاستشفائية.
الاستهلاك الخفي وعورات الحكامة
يكشف التفاوت الصارخ داخل البنية الاستشفائية الوطنية عن عوارض نظام يعمل بلا بوصلة موحدة:
- فجوة جهوية مقلقة: يتباين الاستهلاك بشكل كبير بين المراكز الاستشفائية الكبرى والمستشفيات الجهوية والإقليمية. وهنا يبرز “الفخ المخادع”؛ فالاستهلاك المنخفض أحيانًا لا يعكس كفاءة طاقية، بل يعكس فقرًا في العرض الصحي وضعفًا في التجهيزات.
- غياب المحفزات: بينما تستفيد القطاعات الاقتصادية الأخرى من برامج الانتقال الطاقي والأبنية الخضراء، تظل المستشفيات العمومية محرومة من أدوات تمويل واستثمار مرنة لتركيب الألواح الشمسية وتحسين كفاءة المباني، لتبقى رهينة شبكة الكهرباء التقليدية وميزانيات التشغيل المحدودة.
قطاع يتنفس طاقة ويفتقر إلى استراتيجية
حين تتبخر مئات الغيغاواط ساعة سنويًا في ردهات المستشفيات دون تتبع دقيق أو رقمنة للعدادات، فإن ذلك يعني هدرًا مباشرًا للمال العام كان يمكن توجيهه لتجويد الخدمات العلاجية أو اقتناء الأدوية.
المعضلة تتجاوز الجانب التقني لتصبح قضية سياسات عمومية غائبة. فالحكومة، وهي تعيد ترتيب أولوياتها، مطالبة بإدراج “الأمن الطاقي للمستشفيات” ضمن الإصلاح الهيكلي للمنظومة الصحية، بعيداً عن منطق تسيير المرافق العمومية بمنظور القرن الماضي.
كلمة أخيرة
حين تغيب أرقام الطاقة عن شاشات المراقبة الاستشفائية، تتحول المؤسسات التي أقيمت لشفاء المواطنين إلى ثقوب سوداء تبتلع ميزانيات التنمية بصمت.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


