الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
اتحاد طنجة لكرة اليد يراهن على تثبيت أقدامه بالقسم الممتاز واستعادة بريقه
رأي وتحليل

فرنسا والمغرب… تحالف الثقة الذي أعاد رسم خريطة الموقف الأممي

فرنسا والمغرب… تحالف الثقة الذي أعاد رسم خريطة الموقف الأممي

في لحظة دبلوماسية فارقة، تتأهب فرنسا للدفاع داخل مجلس الأمن الدولي عن صياغة جديدة تمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية مكانة أوضح في القرار الأممي المقبل حول الصحراء المغربية، وليس هذا التحرك مجرد تعديل لغوي في نص أممي، بل هو إعلان سياسي صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن بأن زمن الغموض قد ولّى، وأن الواقعية السياسية أصبحت عنوان المرحلة، وأن الحل المغربي بات المرجع الذي تلتف حوله الإرادة الدولية.

ولم يأت هذا الموقف من فراغ، ففي رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس في يوليوز 2024، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن مخطط الحكم الذاتي يشكل الأساس الوحيد لتسوية سياسية عادلة ودائمة ومتفاوض عليها، واليوم تنتقل باريس من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الترجمة العملية لهذا الالتزام داخل أروقة الأمم المتحدة، عبر تنسيق مكثف مع شركائها الدوليين والإقليميين، من أجل نص يعكس التوازنات الجديدة ويكرس المكتسبات الدبلوماسية للمملكة المغرببة.

وتكمن قيمة هذا الموقف في ثباته، إذ لا تتعامل فرنسا مع الملف كورقة ظرفية، بل كقناعة استراتيجية مؤسسة على إدراك عميق لمتطلبات الاستقرار في منطقة الساحل وغرب المتوسط، وخلف هذا التحول تقف علاقة متينة بين جلالة الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، علاقة قوامها الثقة المتبادلة والحوار الصريح والرؤية المشتركة، وقد شكلت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المملكة في أكتوبر 2024 منعطفا تاريخيا، توج بإعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة، وهي صيغة غير مسبوقة نقلت العلاقات الثنائية من منطق التعاون التقليدي إلى منطق التحالف الاستراتيجي القائم على الندية واحترام الثوابت الوطنية.

ولم تبق هذه الشراكة حبيسة الخطابات، بل تجسدت في حزمة واسعة من الاتفاقيات والاستثمارات قُدّرت قيمتها بنحو عشرة مليارات يورو، شملت مجالات الطاقة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والنقل والصناعة والطيران، فضلا عن التعليم والثقافة والبحث العلمي، والأهم من ذلك أن الاستثمارات الفرنسية باتت تتجه نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، في رسالة واضحة بأن الاعتراف السياسي يواكبه انخراط اقتصادي ملموس في تنمية المنطقة وجعلها قطبا للتواصل بين أوروبا وعمقها الإفريقي، ويأتي التحرك الفرنسي في سياق دينامية دولية متصاعدة، تتسع فيها دائرة المواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي من عواصم وازنة في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والأمريكيتين.

إن انخراط باريس بكامل ثقلها الدبلوماسي في الدفع بالمبادرة إلى صلب القرار الأممي يمنح هذا الزخم بعدا جديدا، ويعكس التطابق في وجهات النظر بين البلدين حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، كما يضيّق هامش المناورة أمام الأطراف التي لا تزال متمسكة بأطروحات تجاوزها الواقع والتاريخ. إن ما يجمع الرباط وباريس اليوم يتجاوز حسابات المصالح الآنية، فهو رهان مشترك على الاستقرار والتنمية في فضاء أورو-متوسطي وإفريقي يواجه تحديات متشابكة، وحين تقف فرنسا داخل مجلس الأمن مدافعة عن الحل المغربي، فإنها لا تدافع عن موقف شريك فحسب، بل عن رؤية للمنطقة تقوم على الواقعية والسيادة والتعاون، وبين قائدين جمعتهما الثقة، وشعبين ربطهما التاريخ، تُكتب اليوم صفحة جديدة عنوانها شراكة لا تهتز وموقف لا يتراجع.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←

 خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

كل مقالات أنور قورية ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب