الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
سياسة انتخابات 2027.. إصلاح القوانين على محك النزاهة واستعادة الثقة

حين يصير اللسانُ سيفاً: في فقه الكلمة الرقمية.

حين يصير اللسانُ سيفاً: في فقه الكلمة الرقمية.

لم يكن أجدادنا يحتاجون إلى كثير من الكلام ليقولوا الكثير؛ كانت الكلمة عندهم كالدرهم من الذهب الخالص، يُوزَن قبل أن يُنفَق، ويُدَّخَر أكثر مما يُبَذَّر. وكان الرجل منهم إذا تكلّم في مجلس، كأنما يُلقي حجراً في ماء راكد؛ يُحسب له الحساب ويُعرف له الوقع. أما نحن اليوم، فقد صرنا نُلقي بالكلمات في فضاء الشبكات كما يُلقي الصبيان الحصى في البركة؛ لا نحسب للموجة التي تُحدثها حساباً، ولا نُبالي أين ترسو ومن تُصيب في طريقها، ولا نتساءل هل غرّقنا بغير قصد أحداً كان يسبح في هدوء.

لقد منحتنا الثورة الرقمية ما لم يمنحه ملكٌ لرعاياه عبر التاريخ: منبراً لا يُغلق، وجمهوراً لا ينفضّ، وصوتاً يعبر القارات في طرفة عين. غير أن هذه النعمة الكبرى تحوّلت عند كثير منا إلى نقمة على أنفسنا قبل غيرنا؛ إذ صار اللسان الذي كان يُعَدّ ويُحَدّ ويُصان، لساناً سائباً يكتب ما يشاء، ويرمي من يشاء، ويهتك ما يشاء، ثم يمضي كأن شيئاً لم يكن. وكأن الشاشة التي تفصلنا عن المخاطَب قد أسقطت عنا كل حياء، وخلعت عن ألسنتنا كل لجام.


القرآن يؤسس لأدب الكلمة

ولئن كان الحديث عن أخلاقيات الكلام يبدو للبعض ترفاً فكرياً أو وعظاً قديماً لا صلة له بعصر السرعة، فإن القرآن الكريم سبق كل المواثيق الدولية وأخلاقيات الإعلام بقرون طويلة حين وضع أسساً لا تزال صالحة لكل زمان ومكان.

يقول الله تعالى في سورة الحجرات:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (سورة الحجرات، الآية 6)

تأمل معي، أيها القارئ الكريم، كيف أن الآية لم تقل “فكذّبوه” ولا “فأعرضوا عنه”، بل قالت “فتبيّنوا”؛ أي أن الأصل ليس الإنكار ولا القبول، بل التحقق. وكم من شائعة رقمية دمرت سمعة إنسان بريء لأن آلاف الناس أعادوا نشرها دون أن يتبيّنوا، ثم تبين لهم بعد فوات الأوان أنهم كانوا يظلمون.

وفي الآية التي تليها تحذير آخر أشدّ وضوحاً:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” (سورة الحجرات، الآية 11)

فالسخرية والتنابز واللمز — وهي بالضبط العملة الرائجة في كثير من منصات التواصل اليوم — ليست مجرد “مزاح” أو “تسلية” كما يبرر أصحابها، بل هي معصية صريحة نزل فيها قرآن يُتلى إلى يوم القيامة.


الكلمة في ميزان التراث الصوفي

وإذا كان القرآن هو الأصل، فإن تراثنا الصوفي المغربي والمغاربي هو التطبيق العملي الحيّ لهذا الأصل. فقد كان العلماء والصوفية في مغربنا يُولون اللسانَ عنايةً خاصة، لعلمهم أنه مَرْكَب القلب ومرآته، وأن من لا يملك لسانه لا يملك نفسه.

يقول ابن عطاء الله السكندري في حِكَمه التي لا تزال تُتلى في زوايا المغرب:

“ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدفن لا يَتم نتاجه.”

وما أحوجنا اليوم إلى هذا “الدفن” في زمن صار كلٌّ منا يُلحّ على أن يُرى، وأن يُسمع، وأن يُعلَّق على كل شاردة وواردة، ولو كان قوله لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

وكان أبو مدين شعيب الغوث رضي الله عنه يُربّي أصحابه على قاعدة ذهبية فيقول:

“لا يُفلح من لا يَعُدّ كلامه من عمله.”

تأمل معي هذه الكلمة: “من عمله”. أي أن الكلمة ليست هامشاً على العمل، بل هي العمل ذاته؛ تُكتَب في الصحائف كما يُكتَب الفعل، وتُسأل عنها كما تُسأل عن الصلاة والصيام.

أما الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، فقد كان يوصي أصحابه بأن يجعلوا لأنفسهم “ورداً من الصمت” كما يجعلون لأنفسهم ورداً من الذكر، ويقول: “من لم يصمت صمتاً يسمعه الخلق، لم يُسمَع له نطق ينفع الخلق.” فكأنه يقرر أن الصمت ليس انقطاعاً عن الكلام، بل هو شرط لصحة الكلام وفعاليته.

وقد سبق هؤلاء جميعاً سيدُ الخلق صلى الله عليه وسلم حين قال: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم.” وفي رواية أخرى: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.”


أمراض اللسان الرقمي: تشخيص بلا مجاملة

إن ما يُسمّى اليوم “التنمّر الإلكتروني” و”خطاب الكراهية” و”الشائعات الرقمية”، ليس في حقيقته إلا الأمراض القديمة ذاتها التي حذّر منها علماؤنا، لكنها لبست حُلّة جديدة واكتسبت سرعة لم تكن تملكها من قبل.

فالغيبة التي كانت تُقال في مجلس من عشرة، صارت تُكتب لعشرة ملايين. والنميمة التي كانت تنتقل من فم إلى أذن في أيام، صارت تنتقل بضغطة زر إلى آفاق الأرض في ثوانٍ. والبهتان الذي كان يُفتَضح بعد حين، صار يُصدَّق في دقائق ويُحفظ في الأرشيف إلى الأبد.

أربعة أوبئة للسان الرقمي:

  • الوباء الأول: الغيبة الجماعية — لم تعد الغيبة ذنباً فردياً يستغفر منه صاحبه في خلواته، بل صارت “ترنداً” يشارك فيه الآلاف بمتعة وحماس، وكأنهم في وليمة يتقاسمون لحم أخيهم الميت دون أن يشعروا.
  • الوباء الثاني: التثبيط والتحقير — كم من شاب مبدع أو مبادر أو حتى تائب، وجد من يثبّطه بكلمة جارحة في تعليق عابر، فينكفئ عن خيره وييأس من إصلاح نفسه.
  • الوباء الثالث: الإفتاء بغير علم — صار كل من يملك حساباً على منصة اجتماعية مفتياً في الدين والطب والسياسة والاقتصاد، يقطع برأيه في مسائل اختلف فيها العلماء قروناً.
  • الوباء الرابع: التطبيع مع الفحش — لقد صارت الألفاظ البذيئة والسخرية اللاذعة “أسلوباً” يُمدَح صاحبه ويُوصَف بالجرأة والذكاء.

لقد شخّص الإمام أحمد زروق الفاسي في “قواعد التصوف” داء الأمة قبل قرون حين قال ما معناه: إن أكثر هلاك الخلق من اللسان، وأكثر نجاة الخلق من اللسان.

الفارق بين الحالتين لا يحتاج إلى علم غزير، بل إلى لحظة صمت واحدة قبل الكتابة؛ لحظة يسأل فيها المرء نفسه: هل ما سأقوله حق؟ وهل في قوله مصلحة؟ وهل أنا من أهله؟

ثلاثة أسئلة بسيطة، لو طبّقناها على ما نكتبه في هواتفنا كل يوم، لسَلِمَ أكثر من ثلثي ما نكتبه… بالحذف.

 بين النقد والتجريح: خط رفيع

ولئلا يُفهم من كلامي أنني أدعو إلى الصمت المطلق أو إلى ترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإني أبادر إلى توضيح فارق جوهلي يغفل عنه كثير من الكتّاب والنشطاء اليوم: الفرق بين النقد والتجريح.

النقد — كما علّمنا تراثنا — هو النظر في الشيء لتمييز صحيحه من سقيمه، وهو فعل عقلي رصين يهدف إلى الإصلاح لا إلى الإذلال. وكان الإمام أبو العباس السبتي رضي الله عنه إذا أنكر على أحد، فعل ذلك في سرّ لا في جهر، وفي لين لا في خشونة، وفي رحمة لا في شماتة.

أما التجريح فهو طعن في الشخص لا في الفعل، وإهانة للذات لا مناقشة للفكرة. وهو ما نراه اليوم في كثير من “النقاشات” الرقمية التي تتحول في دقائق من حوار في الفكرة إلى سبّ في الأعراض وتشكيك في النيات.

إن البوصلة الأخلاقية هنا واضحة: انقد الفكرة باحترام صاحبها، وناقش الرأي دون أن تلمز الراعي. فإن عجزت عن الفصل بين الاثنين، فالصمت أولى بك من الخوض.

 المروءة الرقمية: ميثاق البوصلة

كان أهل المروءة في تراثنا يَأنَفون من ثلاث: الكلام فيما لا يَعنيهم، والخوض فيما لا يُحسنونه، والجرأة على أعراض الناس. وأقترح أن نُحيي هذه المروءة في فضائنا الرقمي من خلال ما يمكن تسميته بـ “ميثاق البوصلة“، وأوجزه في خمس:

أولاً: أن أعتبر لوحة المفاتيح أمانةً كما أعتبر لساني أمانة؛ فما لا أقوله في وجه الرجل، لا أكتبه في ظهره. وما أستحي أن يقرأه والديّ أو أبنائي، أستحي أن أنشره أمام الناس.

ثانياً: أن أتحقق قبل أن أنشر؛ فنقل الكذب كذبٌ، ولو كان الناقل صادقاً في نقله. وقد كفى بالمرء كذباً أن يُحدّث بكل ما سمع، كما ورد في الأثر.

ثالثاً: أن أُفسح للمخالف مساحة الاحترام قبل مساحة النقاش؛ فإن الحق لا يَضعُف بأدب صاحبه، وإن الباطل لا يَقوى بسفاهة قائله. وخيرُ الحجاج من أقنع خصمه دون أن يُهينه.

رابعاً: أن أُدرك أن الصمت موقف، وأن الامتناع عن القول في لحظة الفتنة قد يكون أعظم من ألف مقال. فليس كل ما يُعلَم يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُعاد نشره.

خامساً: أن أتذكر أن وراء كل حساب رقمي إنساناً حقيقياً بقلب ينبض ومشاعر تتأذى وسمعة تُهدَم؛ فالشاشة لا تلغي الإنسانية، والافتراضية لا تُبيح التجريح.

 كلمة ختام

أيها القارئ الكريم، أيتها القارئة الكريمة؛

إن أعظم ما يملكه الإنسان بعد إيمانه هو كلمته؛ فبها يُعرَّف، وبها يُحاسَب، وبها يُرفَع أو يُوضَع. ونحن في زمن صارت فيه الكلمة أرخص ما يُقال، وأغلى ما يُدفَع ثمنه؛ أرخص لأننا نُلقيها بلا حساب، وأغلى لأن ثمنها قد يكون سمعةَ بريء، أو قلبَ محبّ، أو وحدةَ أمة.

فلنعِد للكلمة قدسيّتها، ولنُعِد لألسنتنا — وأناملنا — تلك الهيبةَ التي كانت لها عند أجدادنا. ولنتذكر أن البوصلة الأخلاقية لا تضبطنا فقط في ما نفعل، بل في ما نقول؛ بل في ما نكتب؛ بل في ما نُعيد نشره بضغطة إبهام عابرة قد لا نُلقي لها بالاً، لكنها تُسجَّل في صحائف لا تُمحى.

وختاماً، أترككم مع كلمة للإمام أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه تلخص ما أردت قوله في هذا المقال كله: “اللسان زمام القلب، فإذا أُفلت اللسان ضاع القلب.”

فإن استقام اللسان، استقام القلب؛ وإن استقام القلب، استقامت الحياة.

وإلى لقاء الأسبوع القادم، بإذن الله.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

أ. حمزة الحساني

مشرف عمود البوصلة الأخلاقية

باحث بمجال الفكر والأديان
الدكتوراه: حوار الأديان في القرءان الكريم
الماجستر: العقيدة والفكر في الغرب الاسلامي.
الباكالوريوس: الفكر الإسلامي والفلسفة وعلوم الأديان.

كل مقالات أ. حمزة الحساني ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب