صهيل الهوية في الجديدة: كيف يعيد الفرس رسم جغرافيا «التمغربيت»؟
وسط زخم الصور ومقاطع الفيديو التي توثق الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة، ثمة مشهد صغير يكثف القصة كلها: أطفال يقفون بانبهار أمام عناصر الخيالة التابعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية، يوثقون اللحظة بصور تذكارية، وتلمع في أعينهم رغبة واضحة في الانتماء إلى هذا العالم.
الفرس هنا لم يعد مجرد حيوان رياضي، بل تحول إلى مصنع للأحلام المؤجلة، وجسر يربط بين المواطن ومؤسساته. حضور 160 ألف زائر في أيام معدودة ليس مجرد رقم إحصائي يُضاف إلى سجل المندوبية، بل هو استفتاء شعبي عفوي يؤكد أن المغاربة، رغم زحف الشاشات وعصر السرعة الرقمية، ما زالوا يوقفون الزمن استجابةً لنداء البارود.
الجغرافيا على صهوة جواد
داخل أروقة المعرض، وتحديداً في «رواق الجهات»، يحدث شيء يتجاوز الاستعراض الفلكلوري. التبوريدة، بسرباتها الآتية من كل فج عميق، تلعب دور الموحد الثقافي.
المغرب بلد تتنوع تضاريسه وتختلف لهجاته من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. لكن عندما يرفع «المقدم» بندقيته، وتصطف الخيول في «المحرك»، تذوب الحدود الجغرافية. الخيمة المغربية في الجديدة تصبح صورة مصغرة لوطن يجد مشتركه الثقافي في صهوة الخيول العربية والبربرية الأصيلة. هذا التنوع الذي يتنافس بقوة، كما في حالة سربات شرف البحراوي والمهدي أنجار، ليس تنافساً لكسر الآخر، بل هو تنافس لاستعراض التفرد داخل الوحدة.
بين خيمة «العلام» ومعايير الـ 5 نجوم
المفارقة الأكبر في هذا الحدث هي القدرة على المزاوجة بين نقيضين: العفوية الشعبية والصرامة الدولية.
على الجانب الأول، نجد حرارة التبوريدة ورائحة التراب المحترق بالبارود. وعلى الجانب الثاني، تقف الجائزة الكبرى للملك محمد السادس للقفز على الحواجز، المصنفة ضمن فئة «5 نجوم» والمؤهلة لكأس العالم. هذا التصنيف، الذي أشاد به عارضون أجانب ومحترفون، يضعنا أمام تنظيم يضاهي العواصم الأوروبية والأمريكية.
المغرب يثبت هنا أن التمسك بالتراث لا يعني الانغلاق عليه أو تقديمه بصورة بدائية. لقد فهمت الدولة أن «الرأسمال الرمزي» يحتاج إلى مأسسة دقيقة لكي يعبر الحدود. الفرس البربري والعربي البربري لم يعودا مجرد إرث عائلي تحتفظ به بعض المرابط التقليدية، بل أصبحا جزءاً من صناعة احترافية تُدار بقواعد دولية صارمة.
ثمن الاستمرارية
مع ذلك، النجاح التنظيمي لا يجب أن يحجب الرؤية عن التحديات. تسجيل انخفاض طفيف في أعداد الزوار مقارنة ببعض الدورات السابقة، كما لاحظ بعض المهنيين، يطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً: هل بدأ المعرض يكرر نفسه؟
الارتقاء بالمعايير اللوجستية شيء، وتجديد البرمجة والمحتوى شيء آخر. الفرس كائن ديناميكي، ومعرضه يجب أن يعكس هذه الحيوية. الجمهور الذي يتكبد عناء السفر يحتاج في كل دورة إلى نقطة دهشة جديدة، تضمن ألا يتحول المعرض إلى طقس روتيني مجرد من الشغف الأول.
كلمة أخيرة
في عالم تسعى فيه الدول إلى اختراع هويات اصطناعية لتوحيد شعوبها، يمتلك المغرب ترف الاعتماد على ذاكرة حية تركض على أربع. الفرس في المغرب هو مرآة تعكس كيف يمكن لأمة أن تعانق معايير المستقبل بيد، بينما تقبض باليد الأخرى بقوة على بندقية أجدادها.


