الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
سياسة انتخابات 2027.. إصلاح القوانين على محك النزاهة واستعادة الثقة
رأي وتحليل

الحكومة المغربية أمام امتحان النتائج: من يراقب تنفيذ الوعود ومن يحاسب؟

الحكومة المغربية أمام امتحان النتائج: من يراقب تنفيذ الوعود ومن يحاسب؟

لا تبدأ المحاسبة السياسية عند نهاية الولاية الحكومية، حين تعرض الحصيلة وتقدم التبريرات، بل منذ اللحظة التي تتحول فيها الوعود الانتخابية إلى التزامات معلنة. فالمواطن الذي يمنح صوته للأحزاب لا ينتظر برنامجا مليئا بالأهداف فحسب، بل يريد أن يعرف ما الذي سيتغير في حياته، ومتى سيحدث ذلك، وكيف يمكن التحقق من أن ما وُعد به قد نُفذ بالفعل.

بهذا المعنى، يشكل البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، بداية اختبار سياسي ومؤسساتي جديد. فقد أعلنت الحكومة مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، من بينها تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي في حدود 5 في المائة بين سنتي 2027 و2031، وحصر عجز الميزانية في أقل من 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، والتحكم في التضخم في حدود 2 في المائة، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031. وهي أهداف طموحة، لكن قيمتها الحقيقية لن تتحدد لحظة الإعلان عنها، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة.

فبلوغ معدل نمو اقتصادي مرتفع لا يعني، في حد ذاته، تحسن الأوضاع الاجتماعية. إذ ينبغي أن يرتبط التقييم بطبيعة هذا النمو، ومدى قدرته على خلق فرص الشغل، وتحسين مداخيل الأسر، وتقليص الفوارق بين الجهات. فقد يسجل الاقتصاد مؤشرات إيجابية، بينما لا يشعر جزء من المواطنين بأي تحسن في قدرتهم على تحمل تكاليف السكن والغذاء والنقل والعلاج. لذلك، يقتضي تقييم الحصيلة الحكومية تجاوز الأرقام الإجمالية إلى قياس الأثر الفعلي للسياسات العمومية على الحياة اليومية.

وينطبق الأمر نفسه على الالتزامات المتعلقة بالتشغيل. فإعلان أولوية إدماج الشباب في سوق العمل لا يكفي لتقييم السياسة الحكومية ما لم يقترن بمؤشرات واضحة بشأن عدد مناصب الشغل المحدثة، وطبيعتها، ومدى استقرارها، ونسبة استفادة الشباب منها، فضلا عن توزيعها المجالي. كما ينبغي التمييز بين فرص العمل المؤقتة والمناصب المستدامة، وبين التكوين الذي ينتهي بالحصول على شهادة والتكوين الذي يفتح فعليا أبواب الشغل. فالمعيار ليس عدد البرامج التي أطلقتها الحكومة، وإنما عدد الأشخاص الذين تغير وضعهم المهني والاجتماعي بفضلها.

أما فيما يتعلق بالقدرة الشرائية، فإن استهداف التضخم في حدود 2 في المائة يطرح بدوره سؤالا أساسيا: هل سيؤدي تباطؤ ارتفاع الأسعار إلى تحسن ملموس في مستوى عيش الأسر؟ فتراجع التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل قد يعني استمرار ارتفاعها بوتيرة أبطأ. ومن ثم، فإن تقييم هذا الالتزام يقتضي تتبع تطور أسعار المواد الأساسية ومقارنتها بتطور الأجور والمداخيل، مع مراعاة اختلاف أثر الأسعار بحسب مستوى دخل الأسر وأنماط إنفاقها.

وهنا تبرز أهمية تحويل الأهداف العامة إلى مؤشرات قابلة للقياس، محددة زمنيا ومعلنة للرأي العام. فكل التزام حكومي ينبغي أن يستند إلى نقطة انطلاق واضحة، ونتيجة مستهدفة، وجدول زمني للتنفيذ، وجهة مسؤولة عنه. كما أن نشر حصيلة دورية تتيح مقارنة النتائج المحققة بالأهداف المعلنة من شأنه أن يجعل النقاش بشأن الأداء الحكومي أكثر موضوعية، ويحد من الاكتفاء بعرض أرقام معزولة أو انتقاء المؤشرات التي تبدو إيجابية.

ولا يتعلق الأمر بإغراق المواطنين في جداول تقنية معقدة، بل بتمكينهم من الحصول على أجوبة واضحة عن أسئلة جوهرية: كم فرصة عمل أُحدثت؟ وما الذي تغير في جودة التعليم والصحة؟ وهل تحسنت استفادة الفئات المستهدفة من الدعم الاجتماعي؟ وإلى أي مدى انعكست الاستثمارات العمومية والخاصة على التنمية المحلية؟ إن الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة تسمح بالانتقال من تقييم الخطاب السياسي إلى قياس أثر القرار العمومي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الالتزامات المرتبطة بإصلاح المالية العمومية، وتوسيع الاستثمار الخاص، وتحسين أداء المؤسسات والمقاولات العمومية. فالحفاظ على عجز الميزانية عند مستويات محددة وتقليص المديونية هدفان يرتبطان بالتوازنات المالية، لكن لا ينبغي تقييمهما بمعزل عن جودة الإنفاق العمومي ونجاعته. فالترشيد لا يعني مجرد تقليص النفقات، بل يقتضي توجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات الأكثر إلحاحا، والحد من الهدر، وقياس العائد الاجتماعي والاقتصادي للاستثمارات العمومية.

لذلك، يصبح من الضروري أن تقترن المؤشرات المالية بمؤشرات تقيس جودة الخدمات ومدى الإنصاف في الولوج إليها. فنجاح السياسة المالية لا يتحدد فقط بمدى احترام التوازنات الاقتصادية الكلية، وإنما أيضا بقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية والاستجابة للحاجات الاجتماعية، من دون تحميل الفئات الهشة كلفة الاختلالات الاقتصادية. وهذا التوازن يمثل أحد الاختبارات الأساسية التي ستواجه الحكومة خلال ولايتها.

غير أن وضع مؤشرات للقياس لا يحقق الغاية المرجوة ما لم يرتبط بآليات واضحة للمراقبة والمساءلة. فالبرلمان، في حدود اختصاصاته الدستورية، مطالب بتتبع تنفيذ البرنامج الحكومي، وطرح الأسئلة بشأن التأخر في الوفاء بالالتزامات، ومناقشة الفجوة بين الأهداف والنتائج. كما أن نشر المعطيات بصورة منتظمة يتيح للصحافة والمجتمع المدني والباحثين الإسهام في تقييم السياسات العمومية، وتوسيع النقاش ليشمل الأدلة والنتائج بدل الاقتصار على التصريحات السياسية.

ولا يعني ذلك أن عدم تحقيق كل هدف في موعده دليل تلقائي على الفشل؛ فقد تواجه الحكومة ظروفا اقتصادية أو دولية غير متوقعة، أو صعوبات في التنفيذ تتجاوز التقديرات الأولية. لكن الفرق كبير بين تأخر تفسره معطيات واضحة وتواكبه تدابير تصحيحية معلنة، وبين إخفاق لا تصاحبه سوى تبريرات عامة. فالمساءلة الجادة لا تقوم على إصدار أحكام مسبقة، بل على مطالبة المسؤولين بتفسير النتائج، وتحديد أسباب التعثر، وتوضيح الإجراءات العملية المقترحة لتداركه.

وبما أن الحكومة الجديدة توجد في بداية ولايتها، فإن المطلوب اليوم ليس الحكم على حصيلتها قبل أن تتاح الفرصة لتنفيذ التزاماتها، وإنما إرساء شروط واضحة لتقييم أدائها منذ البداية. ويشمل ذلك نشر أهداف مرحلية، وتحديد مؤشرات دقيقة لكل قطاع، وإتاحة المعطيات المتعلقة بمستوى التنفيذ، والتمييز بين ما أُعلن وما بُرمج وما نُفذ فعليا. فكلما اتضحت قواعد التقييم منذ البداية، تقلص هامش الخلاف بشأن الحصيلة عند نهاية الولاية، وأصبح النقاش أكثر ارتباطا بالوقائع والنتائج.

في المحصلة، لن يكون الاختبار الحقيقي للحكومة هو قدرتها على تقديم برنامج طموح أو الدفاع عنه أمام البرلمان، وإنما قدرتها على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة يستطيع المواطن أن يلمسها ويقيسها. فالوعود الانتخابية لا تفقد قيمتها بسبب صعوبة تنفيذها، بل حين تغيب المعايير التي تسمح بمعرفة ما تحقق منها وما تعثر، وتحديد المسؤولية عن ذلك.

إن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الحكومة طوال ولايتها ليس فقط: ماذا وعدت المغاربة؟ بل أيضا: كيف سنعرف أنها أوفت بوعودها؟ فبين هذين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين برنامج سياسي معلن ومحاسبة ديمقراطية فعلية.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←

أيوب عصمان

كاتب بجريدة البوصلة

أيوب عصمان: باحث في الدراسات السياسية والدستورية والإدارية والمالية والعلاقات الدولية، له اهتمامات بحثية في قضايا الشأن العام والتنمية والسياسات العمومية.

كل مقالات أيوب عصمان ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب