الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
اقتصاد الربط الجوي بين الدار البيضاء والصويرة.. هل يتحول إلى رافعة لتنمية جهة مراكش آسفي؟

بين سرعة الزمن ولحظات التأمل.. هل نعيش الزمن أم أنه يمضي بنا؟

بين سرعة الزمن ولحظات التأمل.. هل نعيش الزمن أم أنه يمضي بنا؟

يزورنا الحنين إلى الكتابة حين نبطئ قليلا، حين نمنح أبسط تفاصيل الحياة حقها من التأمل، ونصغي إلى ما تخبئه اليوميات من حكايات لا ننتبه إليها ونحن نعبرها على عجل. ثمة حكايات تولد في زحام الأيام، وأخرى تنبت على هامشها، في لحظة صمت عابرة، أو نظرة شاردة، أو إحساس غامض يوقظ فينا رغبة مفاجئة في الإمساك بالقلم.

الأرشيف يسجل، ونحن نعيش. وبين ما يسجله الزمن وما نعيشه، تنشأ كتابة خفية لا ندرك حدوثها إلا حين نلتفت إلى الوراء. ليست الكتابة المقصودة هنا ما يخطه الملكان عن يميننا وشمالنا، ولا يشترط فيها حضور قلم أو ورقة؛ إنها كتابة الحياة فينا، ومحاولتنا تخليد المعنى قبل أن يتوارى، وتجميد اللحظة قبل أن تبتلعها لحظة أخرى. نكتب أحيانا لأننا نخشى النسيان، وأحيانا لأننا نريد أن نفهم ما حدث، ولأن بعض اللحظات، على قصرها، تستحق أن نمنحها عمرا آخر خارج الزمن.

لكن، كيف يمكن للزمن أن يتوقف؟

لعل الزمن في خصومة أبدية مع علامات الترقيم. لا يستريح عند الفاصلة ليلتقط أنفاسه، ولا يقف عند النقطة ليمنح الفكرة فرصة كي تكتمل، ولا ينتظر علامة الاستفهام حتى نبلغ جوابا يشفي حيرتنا. إنه يمضي بلا اعتذار، يعبر جملنا الناقصة، ويتركنا نلهث خلف المعاني التي لم نتمكن من قولها. التعاقب المستمر هو فلسفته التي لا يحيد عنها، أما العقارب التي لا تكف عن الدوران، فهي عاشقة لوصول لا يتحقق؛ كلما بلغت إحداها رقما، كانت قد غادرت رقما آخر، وكلما ظننا أننا أمسكنا بالوقت، اكتشفنا أنه سبقنا إلى جهة لا نعرفها.

يقولون إن الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. لكن السيف نفسه يحتاج إلى الوقت كي يولد؛ كان معدنا خاما، ثم دخل النار، واحترق حتى بلغ حد الذوبان، وأعيد تشكيله تحت ضربات متتابعة، قبل أن يخرج إلى العالم صلبا، بعد أن خاض معركته الأولى مع النار والماء. أيكون الوقت سيفا، أم أن السيف نفسه شاهد على سلطته؟ ثم إن الوقت لا يقطع، ولا يبتر، ولا يمكننا أن نمنحه شكلا كما نفعل بالمعادن. نحن الذين نصنع الساعات لنقدره، ونرسم الأرقام لنضبط حركته، ونراقب الشمس كما فعل أجدادنا لنعرف أين نحن من تعاقب النهار والليل. كل ذلك محاولات للاقتراب من شيء لا نملك القبض عليه.

فالزمن أشبه بالزئبق؛ كلما حاولنا الإمساك به، تسرب من بين أصابعنا، وكلما ظننا أننا أحطنا به، تلون بلون التجربة التي نعيشها. قد تمر ساعة من الانتظار كأنها عمر كامل، وقد ينقضي يوم من الفرح كأنه ومضة. تتساوى الدقائق في عقارب الساعة، لكنها لا تتساوى في أرواحنا. فما الزمن إذن؟ أهو مقدار ما يمضي من أعمارنا، أم ما نتركه في داخلنا من أثر؟ أهو عدد اللحظات التي نعبرها، أم عمق اللحظة التي تعبرنا؟

وإذا كنا لا نستطيع القبض على الزمن، فهل نستطيع على الأقل أن نحسن العيش فيه؟ أم أن السؤال عن الحل يفترض، منذ البداية، أننا نواجه مشكلة يمكن حلها، بينما قد يكون الأمر كله دعوة إلى فهم أعمق لطبيعة وجودنا؟

في تقديري، يبدأ الإنصات الحقيقي إلى الزمن حين نتعب من الركض وراءه؛ حين نرهق من التفكير الذي لا ينتهي، والعمل الذي يستهلك انتباهنا، والانشغال بكل حركة وفعل، فنعود إلى أنفسنا لنستشعر النعمة التي كنا نمر بها دون أن نراها، ونحمد الخالق عليها حمدا لا تؤجله العادة ولا يحجبه الاستغراق في التفاصيل. لعل بعض النجاة تكمن في أن نتوقف عن معاملة الحياة باعتبارها سباقا نحو ما لم نبلغه بعد، وأن نلتفت، بين حين وآخر، إلى ما بين أيدينا، إلى ما نملكه الآن، إلى اللحظة التي لا تنتظر منا إنجازا بقدر ما تحتاج إلى حضورنا.

هنا يصبح التأمل ضرورة لا ترفا، ومساحة نسترد فيها شيئا من أنفسنا. كيف نتأمل؟ ومتى؟ وأين؟ لعلنا نحتاج، حتى للإجابة عن هذه الأسئلة، إلى شيء من الزمن. غير أن المطلوب ليس أن نستهلك أعمارنا في التفكير في الحياة عوض عيشها، بل أن نمنح العيش وعيا يحرره من التكرار الآلي، ويجعلنا أكثر انتباها إلى ما نفعل، ولماذا نفعله، وما الذي يتبقى منا بعد كل ذلك.

العبادة، والعمل، والدراسة، وسائر تفاصيل الحياة، ليست مجرد محطات نعبرها في طريق طويل؛ إنها لحظات تستحق أن نكتشف مكنونها. أن نعبد بوعي، ونعمل بمعنى، ونتعلم بشغف، وأن نمنح لكل تجربة نصيبها من الفهم، بدلا من أن نتعامل معها باعتبارها مهمة ينبغي إنجازها قبل الانتقال إلى غيرها. لعلنا، حين نجزئ اللحظة لا لنبددها، بل لنفهم طبقاتها الخفية، نقترب من ذلك المعنى الذي استعصى على القبض، ونكتشف أن قيمة الزمن ليست في كثرته، بل في نوعية حضورنا داخله.

تستهويني فكرة البطء عند ميلان كونديرا، خصوصا في عالم يزداد افتتانا بالسرعة، ويقيس نجاح الإنسان بقدرته على اللحاق بكل شيء. ما أجمل أن نختار البطء حين يندفع الجميع، وأن نمنح أنفسنا فسحة للجلوس على كرسي، بعيدا عن ضجيج الركض الجماعي، نراقب الأيام وهي تتعاقب، ونتساءل عما نصنعه بها، وعما تصنعه بنا. ليس البطء عجزا عن الوصول، ولا انسحابا من الحياة؛ قد يكون، على العكس، طريقة أخرى للوصول، أكثر هدوءا وأعمق إدراكا. فليس كل من أسرع بلغ غايته، وليس كل من أبطأ متأخرا.

البطء فكرة جميلة، لا لأنه يوقف الزمن، بل لأنه يوقف فينا ذلك الاندفاع الذي يحول الأيام إلى نسخ متشابهة. إنه يمنحنا فرصة لمحاسبة النفس من دون قسوة، وتكريمها من دون غرور، والاستراحة من كل شيء حين تصبح الاستراحة ضرورة لاستعادة المعنى. وقد يكون أجمل ما في التأمل أنه لا يمنحنا زمنا إضافيا، وإنما يعيد إلينا قدرتنا على رؤية الزمن الذي نملكه بالفعل.

فمتى ندرك الزمن؟ ربما حين نكف عن مطاردته، وحين نتصالح مع حقيقة أنه لا ينتظر أحدا، وأننا لسنا مطالبين بإيقافه كي نحسن العيش فيه. ربما ندركه حين نقتطع من انشغالاتنا فسحة نتأمل فيها الزمن نفسه، لا لنقبض عليه، بل لنتأمل أثره فينا، وما الذي يجعل لحظة واحدة جديرة بأن نتذكرها، فيما تمر أيام كاملة دون أن تترك فينا أثرا واضحا.

قلت التأمل؛ أن نقتطع من زمننا وقتا للتفكير في الزمن، وأن نبطئ قليلا في عالم لا يكف عن الركض، وأن نمنح لحياتنا فرصة كي تقول لنا ما لم نسمعه منها من قبل.

والآن، وأنت تقرأ هذه الكلمات، يا من تشاركني حيرة السؤال ومتعة التأمل: كيف ترى الزمن؟ أهو ما يمضي من أعمارنا، أم ما ننجح في منحه معنى قبل أن يمضي؟

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

- الجائزة الوطنية عن رواية خيتانوس بني ملال 2026
- الرتبة الثالثة وطنيا بفاس عن رواية لعبة الحياة 2024

كل مقالات بلال شيشة ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب