مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية يوم 23 شتنبر 2026، يعود سؤال الشباب إلى الواجهة بقوة. فالقانون الجديد يحتسب المقاعد على أساس عدد المسجَّلين في اللوائح لا عدد المصوّتين، ما يجعل من مجرّد التسجيل فعلاً سياسياً مؤثّراً، فيما خفّض المشرّع نسبة التزكيات للمترشّحين المستقلّين دون 35 سنة تشجيعاً لحضور الشباب.
غير أن العزوف يبقى حاضراً، تغذّيه قلّةُ الثقة وتكرار الوجوه وثقلُ البطالة التي تتجاوز في الجهة الشرقية المعدّل الوطني. وهو موقفٌ مفهوم، لكنه سلاح ذو حدّين: فالغياب لا يُفرغ المؤسسات من شاغليها، بل يُضعف الصوت الطامح إلى التغيير.
السؤال الحقيقي ليس “هل يصوّت الشباب؟” بل “كيف يحوّل وعيه بمشاكله إلى فعلٍ مؤثّر؟”. فالمشاركة الواعية تجعل قضايا الجهة حاضرة في البرامج، شريطة أن تقابلها أحزابٌ تجدّد نخبها وتضع التشغيل والعدالة المجالية في صلب أولوياتها.
التسجيل في اللوائح.. فعل سياسي قبل أن يكون إجراء إدارياً
من المستجدات المهمة التي طبعت الاستعداد لاستحقاقات 23 شتنبر 2026 أن وزارة الداخلية فتحت، وفق القرار رقم 690.26 الصادر في 22 أبريل 2026، فترة استثنائية لمراجعة اللوائح الانتخابية العامة امتدت من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026، شملت المغاربة غير المسجَّلين داخل الوطن وخارجه عبر البوابة الرقمية المخصصة والقنصليات.
هذه الخطوة التقنية تكتسي بعدًا سياسيًا مباشرًا في ظل اعتماد معيار عدد المسجَّلين في اللوائح، لا عدد المصوّتين الفعليين، كأساس لتوزيع واحتساب المقاعد. بعبارة أخرى، فإن كل شاب لم يسجّل اسمه في اللوائح الانتخابية يُضعف عمليًا الوزن التمثيلي لدائرته أو جهته، بصرف النظر عمّا إذا كان سيتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم الاقتراع أم لا. وهذا ما يجعل التسجيل، في حد ذاته، أول عتبة للمشاركة السياسية، تسبق حتى قرار التصويت من عدمه.
تشجيع تشريعي لحضور الشباب في الترشح
إلى جانب تحفيز التسجيل، حمل التعديل التشريعي الأخير للقوانين التنظيمية المؤطرة للعملية الانتخابية إشارات موجهة نحو تشجيع تمثيلية الشباب، من بينها تخفيف شروط التزكية المفروضة على المترشحين المستقلين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، في محاولة لتذليل إحدى العقبات التقليدية التي كانت تحول دون ولوج الفئات الشابة لسباق الترشح خارج الأطر الحزبية التقليدية.
هذا المستجد، وإن كان لا يحل معضلة العزوف بمفرده، يفتح هامشًا إضافيًا أمام كفاءات شابة قد تجد في الترشح المستقل مسلكًا أخف قيدًا من الولوج عبر البنيات الحزبية القائمة، خاصة في جهة كالشرق حيث يشتكي كثير من الشباب من انغلاق النخب الحزبية المحلية وتكرار نفس الوجوه دورة انتخابية بعد أخرى.
لماذا يعزف شباب الجهة الشرقية؟
العزوف عن المشاركة السياسية في صفوف شباب الجهة الشرقية ليس معطى معزولاً عن سياقه الاجتماعي والاقتصادي، بل يتغذى من عوامل متداخلة:
- أزمة الثقة: تراكم شعور لدى فئة واسعة من الشباب بأن التصويت لا يُترجم إلى تغيير ملموس في واقعهم اليومي.
- تكرار الوجوه: هيمنة نفس الفاعلين السياسيين على المشهد المحلي لدورات متعاقبة، ما يُضعف الإحساس بإمكانية التجديد عبر صندوق الاقتراع.
- ثقل البطالة: تسجّل الجهة الشرقية معدلات بطالة تتجاوز المعدل الوطني بشكل واضح، وهو واقع يومي يجعل الانشغال بالبقاء الاقتصادي يتقدّم أحيانًا على الانخراط السياسي.
- ضعف الوساطة الحزبية: غياب آليات فعلية لإشراك الشباب في صياغة القرار الحزبي، بما يتجاوز حضورهم الرمزي في التنظيمات الموازية للأحزاب.
سلاح ذو حدّين: حين يتحول الغياب إلى خسارة مضاعفة
الموقف العازف عن المشاركة، رغم مشروعيته كتعبير عن الاحتجاج والرفض، يحمل في طياته مفارقة لا يمكن تجاهلها: فالمقاعد البرلمانية لن تبقى شاغرة بسبب غياب الشباب عن التسجيل أو التصويت، بل ستُشغل، لكن من دون أن يكون لصوت هذه الفئة أي أثر في تحديد من يشغلها أو بأي برنامج.
بمعنى آخر، فإن العزوف لا يُعاقب الطبقة السياسية بقدر ما يُضعف موقع الشباب داخل معادلة صنع القرار، تاركًا المجال مفتوحًا أمام قوى وفئات أخرى أكثر انضباطًا في التصويت لتحديد ملامح المشهد السياسي المقبل بمعزل عن أولويات جيل كامل.
من الوعي بالمشكلة إلى الفعل المؤثر
السؤال الأجدى بالطرح إذن ليس “هل سيصوّت الشباب؟”، بل “كيف يمكن تحويل وعيهم الحاد بمشاكلهم، من البطالة إلى ضعف الخدمات العمومية، إلى فعل سياسي مؤثر فعليًا في اتجاه صناعة القرار المحلي والوطني؟”. وهذا التحول يستلزم مسارًا مزدوجًا:
- من جهة الشباب أنفسهم: الانتقال من موقف الرفض السلبي إلى الانخراط الفاعل، بدءًا بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، مرورًا بمتابعة البرامج الانتخابية ومساءلتها، وصولًا -لمن يرغب- إلى خوض تجربة الترشح ذاتها في ظل التسهيلات الجديدة.
- من جهة الفاعل الحزبي: ضرورة تجديد حقيقي للنخب المحلية، وفتح لوائح الترشح أمام كفاءات شابة فعلية لا رمزية، مع جعل قضيتي التشغيل والعدالة المجالية في قلب البرامج الانتخابية بالجهة الشرقية، بما يستجيب لخصوصيات جهة لا تزال تعاني من فجوة تنموية مقارنة بجهات أخرى.
كلمة أخيرة
بين قانونٍ يمنح التسجيل قيمةً سياسية مباشرة، وشبابٍ يرى في العزوف احتجاجًا مشروعًا على واقعٍ لم يتغير، يبقى السؤال معلقًا: هل يختار شباب الجهة الشرقية أن يكونوا صانعي المعادلة الانتخابية المقبلة، أم يتركون لغيرهم مهمة تحديد مصيرهم وهم يراقبون من الهامش؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
