يخلد الشعب المغربي، في العشرين من غشت، الذكرى الثالثة والسبعين لملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة، وهي المناسبة الوطنية التليدة التي تقترن هذا العام بإلتفاتة ملكية إنسانية تجسد استمرارية قيم التضامن والرحمة؛ إذ أصدر الملك محمد السادس أمره السامي بالعفو على 935 شخصاً من المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة. وأوضح بلاغ لوزارة العدل أن هذا العفو الملكي شمل 807 نزيلاً في حالة اعتقال، تتوزع استفادتهم بين العفو مما تبقى من العقوبة الحبسية لفائدة 8 نزلاء، وتخفيض عقوبة الحبس لـ 796 نزيلاً، إضافة إلى تحويل عقوبة السجن المؤبد إلى السجن المحدد لفائدة 3 نزلاء.
كما شملت المكرمة الملكية 128 شخصاً في حالة سراح، يتوزعون بين العفو من العقوبة الحبسية أو مما تبقى منها لـ 34 شخصاً، والعفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة لـ 12 شخصاً، والعفو من الغرامة لفائدة 73 شخصاً، إلى جانب العفو من العقوبتين معاً لـ 9 أشخاص. وتأتي هذه المبادرة السامية في مستهل الاحتفالات بهذه الذكرى الوطنية الخالدة لتؤكد عمق البعد الإنساني والاجتماعي للمؤسسة الملكية، وتجدد معاني التلاحم المتين بين العرش والشعب في مختلف المحطات والاستحقاقات التاريخية.
وتعيد هذه الذكرى المجيدة إلى الأذهان صفحات مشرقة من النضال الوطني الاستثنائي الذي خاضه المغاربة؛ حيث تشكل محطة 20 غشت 1953 نقطة تحول حاسمة عندما أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس) وأسرته الشريفة، ظناً منها أنها ستجهز على جذوة المقاومة وتفصل العرش عن الشعب. غير أن هذه الخطيئة الاستعمارية تحولت إلى شرارة اندلعت معها ثورة عارمة شملت الحضر والبوادي، متوجة مساراً طويلاً من الكفاح المسلح الذي شهد معارك تاريخية بطولية كمعركة الهري (1914)، وأنوال (1921-1926)، وبوغافر وجبل بادو (1933)، بالتوازي مع نضال سياسي واعي تصدى لـ”الظهير البربري” سنة 1930 وقدم “وثيقة المطالبة بالاستقلال” في 11 يناير 1944.
وتأجج التوتر عقب خطاب طنجة التاريخي سنة 1947 الذي أعلن فيه السلطان تمسك المغرب بحريته وسيادته، ليصل الصدام أوجه بنفي الملك؛ وهو الإجراء الذي فجر العمليات الفدائية وانطلاق جيش التحرير بشمال المملكة في أكتوبر 1955، مما أجبر الإدارة الاستعمارية على الرضوخ والاستسلام ليعود الملك الخالد إلى أرض الوطن مظفراً في 16 نونبر 1955 معلناً نهاية عهد الحماية وبزوغ فجر الحرية.
ولم تكن ملحمة ثورة الملك والشعب مجرد محطة لحوز حريـة الوطن، بل شكلت ركيزة للانطلاق نحو استكمال الوحدة الترابية؛ إذ تواصلت المسيرة المظفرة باسترجاع طرفاية سنة 1958 وسيدي إفني سنة 1969، لتتوج بالمسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 في عهد الملك الحسن الثاني، واسترجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979. واليوم، حرصت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على جعل تخليد الذكرى الـ73 مناسبة حية لنقل هذه الذاكرة الوطنية الزاخرة إلى الناشئة والأجيال الصاعدة، من خلال تنظيم سلسلة من الأنشطة التربوية والثقافية والتواصلية عبر مختلف النيابات وفضاءات الذاكرة التاريخية بمختلف جهات المملكة، بالشراكة مع مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية وهيئات المجتمع المدني.
إن إحياء هذه الملحمة اليوم يتجاوز مجرد سرد الأحداث الماضية، ليعيد التأكيد على أن قوة المغرب واستقراره يكمنان في التلاحم الراسخ بين العرش والشعب، وأن قيم التضحية والوفاء التي صنعت الاستقلال هي ذاتها التحدي الذي يتكئ عليه الوطن اليوم لخوض معارك التنمية والسيادة والازدهار.
