شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

الجنسية المزدوجة: حين يسبق القانون الإدارة

الجنسية

يحمل أكثر من خمسة ملايين مغربي جواز سفر آخر إلى جانب جواز بلدهم الأصلي. القانون يحسم أمرهم بجملة واحدة: لا فقدان للجنسية المغربية بازدواجها. لكن بين هذا الحسم التشريعي وواقع المعاملات اليومية، تنفتح مسافة تستحق المساءلة.

النص: وضوح لا يقبل التأويل

يتبنى ظهير الجنسية المغربية لسنة 1958، بصيغته المعدّلة، مقاربة مرنة تجاه ازدواج الجنسية: لا يُلزم المشرّع أي مغربي بالتخلي عن جنسيته الأصلية عند اكتساب جنسية أجنبية، ولا يسقطها عنه تلقائياً. الفصلان 6 و7 يحددان أسس الجنسية الأصلية عبر النسب أو الازدياد بالتراب الوطني، فيما استقرت التعديلات المتعاقبة على هدف واحد: المساواة بين الأب والأم في نقل الجنسية إلى الأبناء، ومحاربة حالات انعدامها.

هذا الاختيار التشريعي ليس تفصيلاً تقنياً. فبلدان أخرى، كاليابان وكوريا الجنوبية، تفرض على مواطنيها حسم انتمائهم لجنسية واحدة، ما يضع رعاياها من أصل مغربي أمام معضلة قانونية لا يحلها القانون المغربي وحده، بل تتقاطع فيه إرادتان تشريعيتان متعارضتان. من يحمل الجنسيتين المغربية والكورية، مثلاً، يجد نفسه بين مطرقة قانون بلد المهجر وسندان قانون بلد المنشأ.

الإدارة: حيث يتوقف وضوح النص

الإشكال لا ينشأ من النص، بل من تطبيقه. مغاربة عائدون نهائياً من الخارج منذ أشهر يصطدمون بعائق بسيط ظاهرياً: بطاقتهم الوطنية الإلكترونية لا تزال تحمل عنواناً أجنبياً، فترفض البوابة الرقمية تسجيلهم في اللوائح الانتخابية، وتحيلهم على مسطرة حضورية أمام لجان محلية، بانتظار قرار قد يطول. النتيجة أن كثيرين يتخلون عن المحاولة، ليس لغياب الحق، بل لتعقيد الطريق إليه.

هذا النمط يتكرر في ملفات أخرى: تحيين الحالة المدنية، وتوثيق العقود، وإثبات الإقامة. الوثائق المدنية تبقى قرائن قضائية على الجنسية لا ترقى إلى حجية كاملة، وهو ما يفتح الباب أمام نزاعات إثبات يطول أمدها كلما تشعبت جنسيات الشخص ومكان إقامته.

في المقابل، شهدت استحقاقات 23 شتنبر 2026 خطوة إصلاحية فعلية: منصة رقمية لتحرير وكالات التصويت إلكترونياً عبر القنصليات، تُغني عن التنقل والمصادقة الحضورية التي كانت تثقل كاهل الناخب المقيم بالخارج. لكن هذا التصويت يظل بالوكالة لفائدة ناخب مسجل داخل المغرب، لا تصويتاً مباشراً من بلد الإقامة، وهو فارق جوهري بين تيسير الإجراء وتمكين الحق الكامل.

السياسة: تمثيلية بلا مقاعد

يتجاوز عدد الجالية المغربية بالخارج ستة ملايين نسمة، أغلبهم في أوروبا. ومع ذلك، لا يخصص القانون التنظيمي لمجلس النواب أي دائرة انتخابية مباشرة لمغاربة العالم، على خلاف تجارب فرنسا والبرتغال التي أفردت لجالياتها مقاعد برلمانية قائمة الذات. غياب الإرادة الحزبية لإشراك هذه الفئة في لوائح الترشيح يفاقم الإحساس بالإقصاء لدى كتلة بشرية تساهم في التحويلات المالية، وتحمل صورة المغرب في الخارج، دون أن تملك صوتاً برلمانياً يعبّر عن قضاياها الخاصة.

هنا تتضح المفارقة المركزية: القانون يمنح صاحب الجنسية المزدوجة كامل الحقوق المدنية دون تمييز عن غيره، بينما تحرمه الهندسة المؤسساتية من تمثيلية سياسية تعكس وضعه الخاص كمواطن مقيم خارج الحدود، يخضع لأنظمة ضريبية وقانونية مزدوجة، ويطالَب بالولاء لبلدين في آن واحد.

كلمة أخيرة

حين يقول القانون “لا فقدان للجنسية”، بينما تقول الإدارة “لا تسجيل بلا عنوان محلي”، أي الجهتين تُعرّف فعلياً من هو المواطن؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *