قبل نيويورك كانت بئر انزران: متى يكرّم المغرب جنود الصحراء؟
يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، انتهى اجتماع مجلس الأمن دون تمديد ولاية بعثة المينورسو. سقط المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي، وسقط المشروع الروسي لأنه لم يجمع الأصوات. في اليوم التالي احتفل المغاربة بأول «عيد للوحدة». وبعد أيام تحل ذكرى المسيرة الخضراء.
ثلاث محطات في أسبوع واحد، كلها تُروى بلغة الدبلوماسية: مشروع قرار، تصويت، فيتو، بلاغ.
لكن هذه القضية لم تُكتب أولاً في نيويورك. كُتبت قبل نصف قرن في أمغالا والسمارة وبئر انزران والمحبس وكلتة زمور، بأيدي رجال لا يعرف أغلب المغاربة أسماءهم.
وهنا السؤال الذي لا يطرحه الاحتفال: إذا كنا نعرف وجوه من ربحوا المعركة الدبلوماسية، فماذا نعرف عن الذين ربحوا المعركة التي سبقتها؟
حرب لم تكن ضد جبهة واحدة
يُختصر نزاع الصحراء أحياناً في عبارة «الجيش المغربي والبوليساريو». العبارة صحيحة، لكنها ناقصة.
في 27 يناير 1976، وقبل إعلان «الجمهورية الصحراوية» بشهر، اشتبك الجيش المغربي في واحة أمغالا مع وحدات من الجيش الوطني الشعبي الجزائري. دامت المعركة نحو ثلاثة أيام. بحسب الرواية المغربية، قُتل نحو 200 جندي جزائري وأُسر ما بين 106 و118، وعرض المغرب على الصحفيين صواريخ سوفياتية الصنع تحمل علامات الجيش الجزائري. أما الجزائر فقالت إن جنودها كانوا هناك لنقل الغذاء والدواء.
التفصيل الذي يحسم طبيعة تلك المواجهة لا يوجد في البلاغات، بل في تاريخ لاحق: في 25 ماي 1987، تبادل البلدان 150 أسيراً مغربياً مقابل 102 جندي جزائري أُسروا في أمغالا. جنود نظاميون ظلوا أسرى أحد عشر عاماً. هذه ليست «قافلة إغاثة».
ثم ليبيا. وصفت وثيقة لوكالة المخابرات الأمريكية رُفعت عنها السرية طرابلس بأنها «الراعي الرئيسي الآخر» للبوليساريو، وأنها زوّدتها بمعظم منظومات أسلحتها الكبرى: مدرعات، وصواريخ «سام 6»، وراجمات صواريخ. واعترفت ليبيا بـ«الجمهورية الصحراوية» في أبريل 1980، ولم يتوقف دعمها إلا بعد توقيع معاهدة وجدة مع المغرب في 13 غشت 1984.
ووراء ليبيا والجزائر كانت ترسانة المعسكر الشرقي. السلاح الذي واجهه الجندي المغربي كان سوفياتياً في معظمه: صواريخ «سام» المضادة للطيران، والمدفعية الثقيلة، والراجمات. وفي نونبر 1979، سقطت طائرة «ف1» مغربية فوق أبطيح بصاروخ «سام 7»، واستشهد ربانها. وتذكر الوثائق الأمريكية نفسها عروضاً سوفياتية بمساعدة مباشرة للجبهة، تشمل السلاح.
أما الحضور الفلسطيني، فلم يأتِ عبر موقف رسمي موحّد، بل من بوابة الفصائل اليسارية وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فمنذ اتصالات بيروت الأولى مطلع السبعينيات وحتى ظهور جورج حبش في تندوف عام 1979 إلى جانب القيادات العسكرية للبوليساريو، قدّمت الجبهة غطاءً ثورياً وخبرة في حرب العصابات وهي شواهد، مهما اختلف المؤرخون في تقدير ثقلها العسكري، تكفي لإسقاط فكرة أن الحرب كانت شأناً محلياً معزولاً.
الصورة إذن أوسع مما توحي به العبارة المختصرة: جيش مغربي واجه، في سنوات واحدة، جيشاً نظامياً جاراً، وتمويلاً وسلاحاً ليبياً، وعتاداً من المعسكر الشرقي، وتدريباً تقول طرابلس نفسها إنه شمل فصائل فلسطينية.
1979: السنة التي انقلبت فيها الكفة
إذا كان لا بد من سنة واحدة لفهم الحرب، فهي 1979.
في 11 غشت، وقعت معركة بئر انزران. تقول الرواية المغربية إن رتلاً من نحو 500 سيارة ومصفحة هاجم المنطقة، وإن الطيران الحربي المغربي تدخّل لضربه. استشهد 125 جندياً مغربياً بقيادة الرائد مزيرد، الذي رُقّي بعد المعركة. وبعد أيام دخلت القوات المسلحة الملكية إقليم وادي الذهب، الذي انسحبت منه موريتانيا، في عملية حملت اسم «بدر».
ثم جاءت السمارة. في 6 أكتوبر 1979، تقول الرواية نفسها إن نحو 5000 مقاتل على متن 800 سيارة عسكرية هاجموا المدينة بأسلحة ثقيلة. دامت المعركة 24 ساعة متواصلة، وتدخلت طائرات «الميراج»، وخلّفت 121 جندياً مغربياً بين شهيد وجريح. وبعد ثمانية أيام فقط، هوجمت حامية المحبس بنحو 1200 مقاتل، وسقط 141 مغربياً بين شهيد وجريح ومفقود.
هذه ليست حرب كمائن صغيرة. هذه أرقام جيوش.
بعدها التحقت بالصحراء وحدتا «بدر» و«خيبر» بنحو 14 ألف جندي، وانطلقت عمليات التمشيط، ثم بدأ تشييد خطوط الدفاع التي ستغيّر منطق الحرب في الثمانينيات. يمكن قراءة ذلك التحول باعتباره انتقالاً من الدفاع عن المدن إلى التحكم في المجال: حين لم يعد الهجوم المباغت قادراً على حسم شيء، فقدت حرب الاستنزاف معناها، وصار الطريق مفتوحاً، بعد سنوات، نحو وقف إطلاق النار سنة 1991.
ملاحظة ضرورية للأمانة: الأرقام الواردة هنا هي أرقام الرواية المغربية، وللطرف الآخر أرقامه ورواياته. والأمانة نفسها تقتضي الاعتراف بأن الحرب لم تكن سلسلة انتصارات فقط. ففي ليلة 14 فبراير 1976، بعد أسبوعين من أمغالا الأولى، هوجمت الحامية التي تركها المغرب في الواحة، وكادت تُباد. الانتصار لا يُفهم دون الثمن، ومن يكرّم الجنود يكرّم الاثنين معاً.
المفارقة: أطول أسرى حرب في العالم كانوا مغاربة
هنا يتغير فهم القصة.
نعتقد أن الحرب انتهت في شتنبر 1991. بالنسبة لمئات الأسر المغربية، لم تنتهِ إلا في 18 غشت 2005.
في ذلك اليوم، أفرجت البوليساريو عن آخر 404 أسرى مغاربة، بعد أربعة عشر عاماً من وقف إطلاق النار الذي كان يُفترض أن يُطلق سراحهم فوراً. بعضهم قضى في المخيمات نحو عشرين سنة. ووصفتهم وكالة رويترز يومها بأنهم أقدم أسرى حرب في العالم. حطّت بهم طائرتان في أكادير، وكان بعضهم قد تجاوز الستين.
وقبلهم، أعادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على دفعات أكثر من ألفي أسير مغربي.
أي أن آلاف المغاربة عاشوا الحرب مرتين: مرة في الميدان، ومرة في الأسر. وكثير منهم كتب شهادته، أو حاول أن يرويها، فلم يجد من يسمع إلا قليلاً.
ذاكرة بلا أسماء
للدبلوماسية وجوه: سفراء، ووزير خارجية، وصور لقاعة مجلس الأمن. أما الحرب فبقيت أرقاماً: 125 شهيداً هنا، و121 بين شهيد وجريح هناك.
جرّب سؤالاً بسيطاً: كم مغربياً يعرف اسم قائد بئر انزران؟ أو اسم ربان «ف1» الذي سقط فوق أبطيح؟ أو اسم جندي واحد من حامية أمغالا الثانية؟
المشكلة ليست في النسيان وحده. المشكلة أن جيلاً وُلد بعد سنة 2000 قد يرى الصحراء ملفاً أممياً يُربح بالتصويت، لا أرضاً دُفع ثمنها بالأعمار. ومن يرث القضية دون أن يرث حكايتها، يرث نصفها فقط.
والتكريم لا يعني تمجيد الحرب، ولا تغذية العداء مع الجيران. الخطاب الرسمي المغربي اليوم هو خطاب الحكم الذاتي واليد الممدودة. لكن السلام الذي يُبنى دون الاعتراف بمن دفع ثمنه سلام بلا ذاكرة. والاعتراف بالجنود لا يناقض المصالحة، بل يمنحها وزنها الحقيقي.
كيف يُكرَّم الأبطال؟
التكريم الحقيقي ليس برقية في مناسبة. إنه بنية دائمة. وهذه مقترحات قابلة للتنفيذ:
- سجل وطني مفتوح للأسماء: قائمة علنية، متاحة على الإنترنت، بأسماء شهداء حرب الصحراء ومعاركهم ومدنهم الأصلية، حتى يجد كل مغربي اسم ابن مدينته.
- أرشيف للذاكرة الشفوية: قدماء محاربي 1976–1991 اليوم في الستينيات والسبعينيات من أعمارهم. كل سنة تمر تأخذ معها شهادات لن تُستعاد. هذه مهمة الجامعات والإذاعات والتلفزيون والإعلام الجهوي، قبل أن تكون مهمة المؤسسة العسكرية.
- الأسماء في الفضاء العام: شوارع ومدارس وساحات تحمل أسماء الشهداء، في السمارة والعيون والداخلة، وفي القرى والمدن التي خرجوا منها.
- وجه إنساني لعيد الوحدة: العيد الذي وُلد من قرار أممي يحتاج لحظة سنوية لمن سبقوا القرار؛ دقيقة، أو اسم يُقرأ، أو شهادة تُبث.
- إنصاف الأسرى السابقين: نشر مذكراتهم، والاستماع إليهم رسمياً، وجعل تجربتهم جزءاً من الرواية الوطنية لا هامشاً لها.
- المدرسة: تدريس معارك الصحراء بوصفها تاريخاً موثقاً، لا شعاراً.
كلمة أخيرة
انتهت ولاية المينورسو، وقد يُطوى الملف قريباً في نيويورك. لكن ملفاً آخر لم يُفتح بعد: ملف الأسماء. فالأمم لا تُقاس فقط بما تربحه في قاعات التصويت، بل بما تتذكره ممن أوصلوها إليها. فهل سيعرف طفل يولد في الداخلة سنة 2030 اسم من حرس مدينته قبل أن يولد أبوه؟


