أيوب عصمان: باحث في العلوم السياسية والدستورية
هل احتدام الصراع على التزكيات يعني أن المشهد الحزبي بخير؟ وهل تصارع الأسماء على المواقع والمقاعد، مدعاة للفخر بالقيادات الحزبية؟
في الحقيقة كل هذا لا يهم فالتنافس واحتدام الصراع جزء طبيعي من كل عملية انتخابية، وكل حزب من حقه أن يبحث عن المرشح الذي يعتقد أنه قادر على تحقيق أفضل نتيجة ممكنة، لكن الأهم من كل ذلك هو ما تكشفه هذه المعركة المبكرة عن طبيعة العمل الحزبي والسياسي في المغرب، وعن الطريقة التي أصبحت بها الانتخابات تبدأ قبل موعدها بوقت طويل، ليس في الشارع أو في البرامج الانتخابية، وإنما داخل المقرات الحزبية وفي دوائر القرار والكواليس.
فما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بمن سيحصل على التزكية، وإنما يتعلق بسؤال أكبر: أي نوع من النخب تريد الأحزاب أن تدفع بها إلى المؤسسات المنتخبة؟ وهل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب السياسية، أم أمام إعادة ترتيب للأسماء نفسها، مع تغيير في المواقع والألوان الحزبية كلما اقترب موعد الاقتراع؟
من الطبيعي أن تبحث الأحزاب عن المرشح القادر على المنافسة، ومن الطبيعي أيضا أن تنظر إلى الحضور المحلي والقدرة على التواصل مع الناخبين وإمكانية الفوز بالمقعد، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفوز هو المعيار الوحيد، وعندما تتحول التزكية من اختيار سياسي وتنظيمي إلى مجرد ورقة عبور نحو البرلمان.
وهنا تحديدا لا أعتقد أن المشكلة في وجود الأعيان أو أصحاب الحضور الانتخابي، لأن السياسة في النهاية تحتاج إلى أشخاص قادرين على التواصل مع المجتمع وعلى خوض المنافسة، لكن السؤال هو: هل أصبح الانتماء الحزبي والخبرة السياسية والتدرج داخل التنظيم أقل أهمية من القدرة على جمع الأصوات؟ وهل أصبح الحزب يبحث عن الشخص الذي يستطيع أن يفوز، أكثر مما يبحث عن الشخص الذي يستطيع أن يمثل مشروعه السياسي؟
إذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نتحدث فقط عن مشكلة مرتبطة بالانتخابات المقبلة، وإنما عن تحول أعمق في مفهوم الحزب نفسه، فهذا الأخير ليس مجرد آلة انتخابية، وليس شركة تبحث عن أفضل الأشخاص لرفع حصتها من المقاعد، لأن الحزب يفترض أن يكون فضاء للتأطير وصناعة النخب وتكوين القيادات وربط المواطن بالمؤسسات، ولذلك فإن اختزال وظيفته في البحث عن مرشحين قادرين على الفوز قد يحقق نتيجة انتخابية في لحظة معينة، لكنه في المقابل يضعف المعنى السياسي للعمل الحزبي على المدى الطويل.
وما يزيد من صعوبة هذه المسألة هو أن حرب التزكيات لا تجري دائما داخل حدود الحزب الواحد، بل تتقاطع معها ظاهرة أخرى أصبحت حاضرة بقوة مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، وهي ظاهرة انتقال بعض الفاعلين والمنتخبين من حزب إلى آخر، وإعادة ترتيب مواقعهم السياسية والتنظيمية وفق ما تفرضه المرحلة.
لا يتعلق الأمر هنا بإدانة كل انتقال أو التشكيك في دوافع كل سياسي يغير انتماءه، فالانتماء الحزبي ليس سجنا، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتقال السياسي مرتبطا أساسا بالحساب الانتخابي، أو عندما يفقد المواطن القدرة على معرفة ما الذي يميز مشروعا حزبيا عن آخر.
فإذا كان السياسي يستطيع أن ينتقل بسهولة من موقع إلى آخر، ومن لون سياسي إلى لون آخر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا بقي من المرجعيات والبرامج والقناعات التي يفترض أن تمنح الأحزاب معناها السياسي؟
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالسياسي، وإنما بالحزب أيضا لأن الحزب الذي يستقطب شخصا فقط لأنه يملك قاعدة انتخابية أو نفوذا محليا قد يربح مقعدا، لكنه قد يخسر شيئا أكبر: صورته كتنظيم له مشروع وقواعد ومعايير.
ومن هنا نفهم لماذا أصبحت مسألة التزكيات مرتبطة في النقاش العمومي بمسألة الديمقراطية الداخلية. فحين لا تكون هناك معايير واضحة ومعلنة لاختيار المرشحين، يصبح المجال مفتوحا أمام التأويلات، وتصبح كل تزكية قابلة لأن تفسر باعتبارها نتيجة لصراع نفوذ أو لحسابات انتخابية أو لعلاقات داخلية.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بطريقة اختيار المرشح، وإنما بصورة الحزب نفسه أمام أعضائه والرأي العام، فالحزب الذي يريد إقناع المواطنين بالديمقراطية، يفترض أن يكون قادرا أولا على ممارسة الديمقراطية داخل تنظيماته.
قد تختلف القيادات مع القواعد، وقد يتنافس المناضلون على المواقع، وقد تكون هناك صراعات داخلية، وهذا كله طبيعي، لكن غير الطبيعي هو أن تتحول هذه الخلافات إلى صراعات شخصية، أو أن يشعر أعضاء الحزب بأن القرار محسوم مسبقا وأن مشاركتهم لا تتجاوز الدور الشكلي.
وهذا في اعتقادي أخطر من خسارة مقعد انتخابي، فالحزب الذي يفقد شابا مؤمنا بالعمل السياسي لأنه لم يجد داخل تنظيمه فرصة عادلة، لا يخسر مرشحا فقط، وإنما يخسر جزءا من مستقبله. والشباب الذي يسمع باستمرار عن تجديد النخب وتمكين الأجيال الجديدة، ثم يرى في الواقع إعادة إنتاج الأسماء نفسها أو استقطاب أسماء جاهزة من خارج التنظيمات، قد يصل في النهاية إلى قناعة مفادها أن السياسة ليست مجالا للكفاءة والالتزام، وإنما مجال لموازين القوة والعلاقات.
وهنا تحديدا تصبح أزمة الثقة أكبر من مجرد أزمة انتخابية، لأن المواطن لا يتابع فقط من حصل على التزكية، بل يتابع أيضا كيف حصل عليها، ومن تم استبعاده، ولماذا تغيرت التحالفات، ولماذا ظهر اسم هنا واختفى اسم هناك، وقد لا يعرف تفاصيل كل ما يجري في الكواليس، لكنه يشعر في النهاية بأن السياسة أصبحت أقرب إلى صراع على المواقع منها إلى تنافس حول الأفكار.
وهذا ما يجعل الحديث عن المال والنفوذ حاضرا بقوة في النقاش حول الانتخابات المقبلة، لا أحد يمكنه أن ينكر أن خوض الانتخابات يحتاج إلى إمكانيات، وأن المرشح يحتاج إلى موارد لتنظيم حملته والتواصل مع الناخبين، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القدرة المالية أو شبكة النفوذ شرطا غير معلن للحصول على التزكية أو ضمان موقع متقدم.
فالانتخابات ليست مزادا، والمقعد البرلماني ليس ملكية شخصية، ومن الخطأ أيضا اختزال النقاش كله في مسألة المال، لأن المشكلة أعمق من ذلك. نحن أمام سؤال يتعلق بطبيعة التمثيلية السياسية نفسها: هل نريد برلمانا يضم أشخاصا استطاعوا الوصول إلى المقعد، أم نريد مؤسسة تضم أشخاصا قادرين على ممارسة وظيفة تشريعية ورقابية حقيقية؟
لأن الفوز في الانتخابات ليس نهاية المهمة، وإنما بدايتها، قد يكون المرشح قادرا على جمع الأصوات، وقد يكون له حضور اجتماعي واسع، وقد يستطيع تجاوز منافسيه في يوم الاقتراع، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أنه سيكون نائبا جيدا أو فاعلا سياسيا مؤثرا، وبين القدرة على الفوز والقدرة على التمثيل فرق كبير.
ولهذا فإنني لا أرى أن السؤال الحقيقي اليوم هو فقط: من سيحصل على التزكية؟ ومن سيحافظ على موقعه؟ ومن سيغير انتماءه؟ ومن سيتمكن من حسم المنافسة؟
السؤال الأهم هو: ماذا تريد الأحزاب أن تفعل بهذه المقاعد عندما تحصل عليها؟
هل ستدخل الانتخابات ببرامج واضحة، وبوجوه قادرة على الدفاع عنها، أم أن الانتخابات ستبقى في جزء كبير منها معركة أسماء وتحالفات وحسابات انتخابية؟
إن ما يجري حاليا يؤكد أن الخريطة السياسية لم تستقر بعد، وأن الفترة التي تسبق الاستحقاقات قد تحمل تحولات أخرى في التحالفات والمواقع، لكن كل هذه الحركة ستظل في النهاية مجرد جزء من المعركة، لأن السياسة لا تختصر في إعادة توزيع المقاعد قبل الاقتراع.
وفي المقابل، لا ينبغي أن ننسى أن المواطن هو الطرف الذي يملك القرار الأخير.
يمكن للأحزاب أن تحسم تزكياتها، ويمكن للقيادات أن ترسم تحالفاتها، ويمكن للفاعلين السياسيين أن يعيدوا ترتيب مواقعهم، ويمكن للكواليس أن تحدد جزءا كبيرا من ملامح السباق، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن النتيجة قبل أن يفتح صندوق الاقتراع.
وهنا تحديدا يجب أن تعود السياسة إلى معناها الحقيقي، لأنه ليس المطلوب أن تختفي المنافسة، ولا أن تتوقف الأحزاب عن البحث عن مرشحين أقوياء، وليس المطلوب أيضا أن يصبح كل انتقال سياسي متهما سلفا، وإنما المطلوب أن تكون وراء هذه التحركات فكرة سياسية واضحة، وأن تكون وراء التزكية معايير يمكن الدفاع عنها، وأن يكون وراء المرشح مشروع يتجاوز مجرد الحصول على المقعد.
وأخيرا قد تربح الأحزاب حرب التزكيات، وقد تربح بعض الأسماء معركة النفوذ، وقد تنجح التحالفات في إعادة رسم الخريطة الانتخابية، لكن ذلك كله لن يحسم المعركة الأهم، لأن المعركة الحقيقية ليست بين الأحزاب وحدها، وإنما بين السياسة والثقة.
وإذا كانت الانتخابات تبدأ فعلا من الكواليس، فإن شرعيتها لا تبدأ هناك، بل تبدأ عندما يقتنع المواطن بأن صوته لن يكون مجرد رقم يضاف إلى حصيلة حزب، وإنما اختيارا لشخص وبرنامج ومشروع سياسي يستحق أن يمنحه ثقته، وهذا هو السؤال الذي لا تستطيع أي تزكية أن تجيب عنه مسبقا.
