شعار جريدة البوصلة

تطبيقات النقل تعيد رسم مستقبل سيارات الأجرة بالمغرب

تطبيقات النقل

لم يعد الخلاف بين سيارات الأجرة التقليدية وتطبيقات النقل الذكي مجرد نزاع حول وسيلة نقل أو منافسة بين السائقين. فالملف يتجه تدريجيا إلى أن يصبح واحدا من أكثر الاختبارات حساسية لسياسة الدولة في تنظيم الاقتصاد الرقمي وحماية المهن التقليدية وضمان حق المواطن في خدمة نقل حديثة وآمنة، وذلك في وقت تستعد فيه البلاد لدخول الحملة الانتخابية التشريعية في 10 شتنبر.

المفارقة أن الدولة نفسها تبدو اليوم أمام معادلة لم يعد من الممكن تأجيلها: التكنولوجيا فرضت نفسها على سلوك المستهلك، والتطبيقات الرقمية أصبحت جزءا من سوق النقل، في حين ما تزال ممارسة نقل الأشخاص عبر التطبيقات تواجه إشكالات قانونية وتنظيمية مرتبطة بالترخيص وشروط ممارسة النشاط.

وقد أكد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، في جواب سابق حول الموضوع، أن الوزارة باشرت دراسة استراتيجية لتطوير استعمال التطبيقات الرقمية والتكنولوجيات الحديثة في مجال نقل الأشخاص، موضحا أن المرحلة الأولى من الدراسة شملت تشخيصا للجوانب القانونية والتنظيمية والتدبيرية لقطاع سيارات الأجرة، بهدف بلورة تصور لتطوير القطاع والاستفادة من التجارب الدولية، مع مراعاة خصوصيات السوق المغربية وانتظارات مختلف المتدخلين.

الأهم أن تصور الداخلية، بحسب تصريحات الوزير، لا يقوم على الاختيار بين التكنولوجيا والطاكسي التقليدي، بل على البحث عن آليات قانونية وتنظيمية تسمح بإدماج التطبيقات الرقمية في منظومة نقل الأشخاص، مع الحفاظ على حقوق المرتفقين والمهنيين وضمان شروط المنافسة الشريفة. وفي الوقت نفسه، شدد لفتيت على أن بعض الشركات العاملة في مجال النقل عبر التطبيقات تشجع، بحسب تقييم الوزارة، أنشطة نقل غير مرخص لها، وهو ما يضع مسألة التقنين في قلب المشكلة.

وهذا الموقف يكشف أن النقاش لم يعد يدور حول سؤال: هل ستأتي التطبيقات أم لا؟؛ فهي موجودة بالفعل. السؤال أصبح: بأي قواعد ستعمل؟ ومن سيحمل مسؤولية مراقبتها؟ ومن سيدفع كلفة الانتقال من نموذج النقل التقليدي إلى نموذج رقمي أكثر تنافسية؟

في الجهة المقابلة، لا ينظر مهنيو سيارات الأجرة إلى التطبيقات باعتبارها مجرد تقنية جديدة. فبالنسبة إلى جزء من القطاع، المسألة مرتبطة بمصدر الدخل وبالاستثمارات وبنظام المأذونيات وبالالتزامات المهنية والضريبية والاجتماعية، فضلا عن شعور بعض المهنيين بأن المنافسة ليست متكافئة إذا كانت سيارات الأجرة مطالبة باحترام قواعد محددة، بينما تعمل خدمات رقمية خارج الإطار التنظيمي نفسه.

لكن المفارقة الأخرى هي أن جزءا من الحل قد يكون داخل قطاع سيارات الأجرة نفسه. فقد أشارت وزارة الداخلية إلى مواكبة مبادرات تسمح بالحجز الفوري أو المسبق لخدمات سيارات الأجرة بواسطة التطبيقات الهاتفية والرقمية، كما شهدت الرباط إطلاق تطبيق “Blassty” الذي يدمج عددا من أنماط التنقل الحضري ويتيح، ضمن وظائفه، تحديد محطات سيارات الأجرة وحجز سيارات إلى المطار.

بمعنى آخر، ليس ضروريا أن تكون المعادلة: طاكسي ضد تطبيق. ويمكن أن تصبح: طاكسي + تطبيق، إذا جرى إدماج المهنة في التحول الرقمي بدل وضعها في مواجهته.

غير أن المسألة تظل شديدة الحساسية اجتماعيا. فالمواطن لا يهتم كثيرا بالمعركة القانونية بين الفاعلين بقدر ما يريد سيارة تصل في الوقت المناسب، وسعرا واضحا، وسائقا مهنيا، وإمكانية تقديم شكاية، وشروط سلامة، وخدمة متاحة في مختلف الأحياء والأوقات. ولذلك فإن أي إصلاح لا يضع المستهلك في قلب المعادلة سيبقى ناقصا، مهما كان الإطار القانوني الذي سينتج عنه.

ومن هذه الزاوية، يأتي الملف في توقيت سياسي بالغ الدلالة. فالمغرب يتجه إلى انتخابات تشريعية يوم 23 شتنبر، وتبدأ الحملة الانتخابية رسميا في 10 شتنبر، بينما يستمر إيداع الترشيحات حتى 9 شتنبر.

لا توجد، في المعطيات التي اطلعنا عليها، مؤشرات تسمح بالقول إن ملف النقل عبر التطبيقات أصبح رسميا محورا انتخابيا موحدا لدى الأحزاب. لكن من الصعب تجاهل أن النقل الحضري قضية انتخابية بامتياز: إنها تمس ملايين المواطنين يوميا، وتجمع بين الأسعار، وجودة الخدمة، وفرص العمل، والتنظيم، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي.

ولهذا فإن الاختبار المقبل لن يكون فقط اختبارا لسيارات الأجرة أو للتطبيقات، وإنما اختبارا لقدرة الدولة على تحديث قطاع تقليدي من دون تدمير مصالح العاملين فيه، وفتح المنافسة من دون تحويل السوق إلى فوضى، وإدخال التكنولوجيا من دون ترك المستهلك وحيدا أمام منصات غير واضحة المسؤولية.

وبينما تستعد الأحزاب لتقديم برامجها الانتخابية، يطرح بعض المواطنين مجموعة من الأسئلة حول مستقبل تقنين التطبيقات الذكية: هل سيتم دمج سيارات الأجرة في التحول الرقمي؟ وكيف ستدبر جودة الخدمة؟ ومن سيتحمل مسؤولية تنظيم الأسعار وحماية الركاب؟

فالطاكسي في نهاية المطاف ليس مجرد سيارة. إنه جزء من العقد اليومي بين المواطن والدولة والمدينة والسوق. ولذلك فإن طريقة حسم هذا النزاع قد تقول الكثير عن شكل الاقتصاد الحضري المغربي في السنوات المقبلة.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *