كل موسم انتخابي، يحدث الشيء نفسه بالضبط، وكأن أحداً وضع للسياسيين “روزنامة موحّدة”: فجأة، وبلا سابق إنذار، يكتشف الحزب الفلاني أن للبلد شباباً. يكتشف أن هؤلاء الشباب يستخدمون هواتفهم أكثر من استخدامهم لصناديق الاقتراع، فيقرر أن الحل هو أن يتحدث بلغتهم، أو بالأصح، بما يظنه لغتهم.
فتظهر فجأة “الريلز” الحزبية. مرشح ستيني يرقص رقصة لا يعرف اسمها أصلاً، وخلفه شعار الحزب يرفرف كأنه يعتذر عن الموقف.النية طيبة، التنفيذ كارثي، والنتيجة: مزيد من التمرير السريع على الفيديو، لا مزيد من الأصوات في الصندوق.
المشكلة ليست في “الفلتر”، بل في “الفكرة”
هنا تكمن المفارقة التي يتجاهلها معظم من يصمم هذه الحملات: عزوف الشباب عن التصويت ليس مشكلة تسويقية، بل مشكلة ثقة. الشاب لا يمتنع عن التصويت لأنه لا يعرف كيف يسجّل اسمه في القائمة الانتخابية، أو لأن الإعلان لم يصله على “إنستغرام” بالشكل الصحيح. يمتنع لأنه جرّب من قبل، أو رأى من جرّب قبله، فوعد بالتغيير تحوّل إلى صورة تذكارية مع الناخبين تُلتقط كل أربع سنوات ثم تُنسى.
الأحزاب، في المقابل، تتعامل مع القضية وكأنها مشكلة “وصول” لا مشكلة “مضمون”. كأن الشاب يقول لنفسه: “لن أصوّت لأن الإعلان لم يصلني بجودة عالية”، بينما هو في الحقيقة يقول: “لماذا أصوّت لمن لا يتذكر اسمي إلا في موسم الحصاد؟”
استعارة الشباب لا تعني فهمهم
الطريف أن كثيراً من هذه الحملات تستعير “شكل” الشباب دون أن تستعير همومهم. تجد المرشح يتحدث عن “دعم الشباب ومستقبلهم” في جملة عامة تصلح لأي بلد وأي عصر، ثم ينتقل مباشرة لموضوع آخر لا علاقة له بسوق العمل أو الإيجارات أو تكلفة الحياة التي تجعل الشاب يفكر في الهجرة أكثر مما يفكر في مركز الاقتراع. هذا أشبه بطبيب يقول لك “سأعالجك” دون أن يسألك أين يؤلمك بالضبط.
وبين هذا وذاك، تولد ظاهرة طريفة اسمها “المؤثر السياسي المستأجر”: شاب أو شابة معروفون بمحتوى الطبخ أو الرياضة، يظهرون فجأة وهم يتحدثون عن “أهمية المشاركة السياسية” بحماس لم نره في محتواهم من قبل، فيفهم الجمهور اللعبة فوراً، ويتفاعل معها بلا مبالاة أشد من عزوفه الأصلي. فبدل أن تكسر الحملة جدار اللامبالاة، تصنع منه جداراً إضافياً من السخرية.
هل يمكن كسر العزوف فعلاً؟
نعم، لكن ليس بالطريقة التي تحاولها معظم الأحزاب اليوم. التجارب التي نجحت فعلاً في تحريك الشباب نحو صناديق الاقتراع، في أماكن مختلفة من العالم، لم تعتمد على “المزاح الرقمي”، بل على أمرين أكثر جدية: أولاً، برامج ملموسة تمسّ حياة الشاب اليومية بلغة واضحة لا شعارات فضفاضة. وثانياً، إشراك حقيقي للشباب في صياغة هذه البرامج، لا مجرد استضافتهم في مؤتمر صحفي ليصفقوا في اللحظة المناسبة.
بمعنى آخر: التصويت لا يُشترى بفيديو مضحك، بل يُبنى بثقة تتراكم على مدى سنوات، لا أسابيع الحملة الانتخابية فقط.
خلاصة، بلا مؤثرات بصرية
في النهاية، الشباب ليسوا جمهوراً يصعب الوصول إليه، بل جمهوراً يصعب إقناعه، وهناك فرق كبير بين الاثنين. يمكن أن تصل إلى هاتف أي شاب في ثوانٍ، لكن أن تصل إلى قناعته فتلك رحلة أطول بكثير من مدة أي إعلان انتخابي، مهما بلغت جودة “المونتاج”.
فربما، بدل أن تسأل الأحزاب “كيف نتحدث إلى الشباب؟”، عليها أن تسأل سؤالاً أصعب بقليل: “ماذا لدينا فعلاً لنقوله؟”. وحين تُجاب هذه الأسئلة بصدق، لن تحتاج الحملات إلى رقصة واحدة على الإطلاق.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
