شعار جريدة البوصلة

انتخابات 2026.. وعود تتكرر وحكومات تتغير

الاتاخابات

عشية انطلاق الحملة الانتخابية.. البرامج تتنافس في الأرقام والشعارات، لكن السؤال الأهم يظل معلقا: هل تقدم الأحزاب تعاقدات جديدة أم تعيد صياغة الوعود نفسها؟

لم يعد يفصل المغرب عن انطلاق الحملة الانتخابية لتشريعيات 2026 سوى ساعات. فابتداء من الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر، ستدخل الأحزاب والمترشحون رسميا مرحلة مواجهة الناخبين، قبل اقتراع 23 شتنبر، بعدما انتهت اليوم الأربعاء فترة إيداع أصول ملفات الترشيح. وتمتد الحملة إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، في ظل إطار قانوني جديد شدد ضوابط المنافسة، ووسع نطاق الممارسات التي يمكن أن تترتب عنها عقوبات، بما في ذلك ما يتم عبر المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

لكن بداية الحملة لا تعني بداية النقاش السياسي. فخلال الأسابيع الماضية، كانت الأحزاب قد سبقت إلى تقديم برامجها، وإلى اختبار الرسائل التي ستخوض بها المعركة الانتخابية. وبينما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15.801.162 ناخبا، تمثل النساء 46 في المائة منهم، لا يزال السؤال الأكبر مرتبطا بعدد الذين سيقررون فعليا الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

من هنا تبدأ القصة الحقيقية لانتخابات 2026: ليس فقط من سيحصل على المقاعد، وإنما ما الذي ستقوله الأحزاب للناخب، وما الذي يستطيع الناخب مساءلتها عنه بعد خمس سنوات.

البرامج: اختلاف في التفاصيل واتفاق في العناوين

عند وضع البرامج الانتخابية للأحزاب الكبرى جنبا إلى جنب، تظهر صورة مزدوجة.

هناك اختلاف حقيقي في الأدوات والأرقام وآليات التمويل، لكن هناك أيضا مساحة واسعة من التقاطع في تشخيص المشكلات.

القدرة الشرائية، التشغيل، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، السكن، الشباب، الاستثمار، التنمية المجالية والرقمنة تتكرر بدرجات مختلفة في البرامج والخطابات.

التجمع الوطني للأحرار يقدم برنامجه تحت شعار “كرامة وفرص للجميع”، ويربط المرحلة المقبلة باستكمال تصور “الدولة الاجتماعية”، مع التركيز على الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية، إلى جانب التشغيل والمقاولة وإدماج الشباب والنساء. ويؤكد الحزب أن برنامجه امتداد لما يعتبره حصيلة للولاية الحكومية المنتهية، فيما أعلن رئيسه محمد شوكي أن الكلفة الإضافية لتنفيذ الالتزامات تبلغ نحو 224 مليار درهم بين 2026 و2031، بمعدل يقارب 45 مليار درهم سنويا، معتبرا أنها كلفة قابلة للتنفيذ.

أما الأصالة والمعاصرة، فيقدم برنامجا أكثر تفصيلا من حيث البناء الرقمي والمالي، عبر خمسة مواثيق و20 التزاما قابلا للتتبع، بكلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع هدف خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل. ويضع البرنامج القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والخدمات العمومية، والأمن الطاقي والمائي والغذائي والعلمي، والنمو والاستدامة في صلب تصوراته.

وفي صفوف المعارضة، يضع التقدم والاشتراكية التشغيل والتصنيع في قلب برنامجه، إذ يتحدث أمينه العام نبيل بنعبد الله عن هدف إحداث نحو 700 ألف منصب شغل، ورفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الإجمالي من حوالي 15 إلى 20 في المائة.

أما الاستقلال، فيتحرك بدوره داخل الحقول الاجتماعية والاقتصادية نفسها، مع تركيز على الأسرة والتعليم والقيم والإعلام واللغتين الرسميتين، إلى جانب ملفات التنمية والاقتصاد.

وهكذا، فإن المقارنة لا تقود إلى القول إن البرامج متطابقة، وإنما تكشف أن الأحزاب تتنافس بدرجة كبيرة على تقديم إجابات مختلفة للمشكلات نفسها.

وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل يكفي اختلاف الأرقام والأدوات لصناعة اختلاف سياسي حقيقي؟

من “تحسين التعليم” إلى سؤال: كيف؟

ربما لا توجد صورة أوضح لهذه المشكلة من قطاع التعليم.

فالأحزاب تتحدث عن تحسين الجودة، تقليص الهدر المدرسي، محاربة الاكتظاظ، النقل المدرسي، التعليم الأولي، تطوير المدرسة العمومية وتحسين أوضاع المدرسين.

لكن النقاش مع ممثلي الشغيلة التعليمية يكشف أن المشكلة لا تكمن في معرفة العناوين، بل في كيفية تحويلها إلى التزامات قابلة للقياس.

عزالدين أمامي، الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للتعليم، قال إن النقابة تستعد لإصدار “تقرير التزامات الأحزاب السياسية تجاه قطاع التعليم 2026″، بعد مراسلة 19 حزبا بمقترحات تضمنت 15 التزاما. وانتقد، في تصريح لـه، اكتفاء عدد من البرامج بتشخيص الاختلالات وتقديم وعود عامة دون تحديد الكيفية والموارد والآجال والأثر المتوقع داخل المدرسة.

وهذه الملاحظة لا تعني أن البرامج تخلو من إجراءات محددة. فبرنامج “الأحرار”، مثلا، يطرح تعميم “مدارس الريادة” وتوسيع فلسفتها إلى التعليم الإعدادي والتأهيلي، إلى جانب تعميم التعليم الأولي والنقل المدرسي وتقليص الاكتظاظ.

لكن الفارق الذي ينبغي أن يهم الناخب هو بين وجود إجراء في البرنامج وبين وجود تعاقد قابل للمحاسبة حول كلفته وآجاله ومؤشرات نجاحه.

والسؤال نفسه ينتقل من المدرسة إلى المستشفى.

الصحة.. حين لا تكفي المستشفيات وحدها

تلتقي البرامج الانتخابية أيضا حول إصلاح الصحة، وتوسيع العرض الصحي، وتحسين الولوج إلى العلاج وتقوية الحماية الاجتماعية.

لكن ممثلي العاملين في القطاع يلفتون إلى زاوية مختلفة: الموارد البشرية.

عبد اللطيف اهنوش، عضو المكتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة، قال إن البرامج الحزبية لا تقدم، في تقديره، رؤية شمولية وعميقة لإصلاح القطاع، منتقدا غياب أرقام وآليات واضحة لمعالجة الخصاص في الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل. كما أشار إلى أن الممرضين وتقنيي الصحة يمثلون، بحسب المعطيات التي استند إليها، نسبة كبيرة من الموارد البشرية ومن الخدمات الصحية المقدمة.

وهنا تتكرر القاعدة نفسها: إصلاح الصحة ليس فقط عدد المستشفيات والمراكز، وإنما عدد الأطر، توزيعها، ظروف اشتغالها، التمويل، وآليات قياس أثر الإصلاح على المريض.

وبذلك يصبح التعليم والصحة معا اختبارا للبرامج: هل تقدم الأحزاب تشخيصا للمشكلة، أم خطة للخروج منها؟

سبعة عناوين كبرى تتكرر.. لكن ليست كل الوعود متشابهة

لا توجد، حتى الآن، قاعدة مقارنة رسمية تسمح بإعلان رقم نهائي لعدد الوعود المتكررة بين جميع البرامج الانتخابية، لكن المواد التي تناولتها تكشف بوضوح سبعة عناوين كبرى تتكرر بينها:

القدرة الشرائية، التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، الحماية الاجتماعية، والشباب.

وتتكرر إلى جانبها ملفات الاستثمار، الرقمنة، التنمية المجالية، الأمن المائي والغذائي والطاقي، الأمازيغية ودعم المقاولات.

لكن التكرار يصبح سياسيا عندما تنتقل الوعود من انتخابات إلى أخرى دون أن يصبح واضحا ما تحقق منها، وما تعثر، وما الذي سيستمر، وما الذي سيتم التخلي عنه.

وهنا نصل إلى واحدة من أهم قضايا هذه الانتخابات: علاقة البرنامج الجديد بما سبقه.

هل تبدأ الدولة من الصفر مع كل حكومة؟

هذا السؤال ربما يكون أكثر أهمية من مقارنة عدد الوعود بين الأحزاب.

فالسياسات العمومية لا يفترض أن تبدأ وتنتهي مع الولاية الحكومية. التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتشغيل والأمازيغية والتنمية المجالية كلها ملفات تتطلب تراكما زمنيا يتجاوز عمر الحكومة والحزب.

والواقع المغربي يقدم أمثلة واضحة على أوراش ممتدة زمنيا، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت سنة 2005 وانتقلت إلى مرحلتها الثالثة سنة 2018، وكذلك ورش الحماية الاجتماعية وإصلاح التعليم وغيرها من الأوراش التي لا يمكن اختزالها في برنامج انتخابي واحد.

لكن الإشكال يظهر عندما تتحول السياسات القائمة إلى مادة للمنافسة الحزبية، أو عندما تقدم برامج الدولة باعتبارها إنجازا حزبيا خالصا.

وهذا ما أعادته إلى الواجهة في الدار البيضاء نقاشات حول توظيف برامج مثل “فرصة” والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في التواصل الانتخابي، مع طرح سؤال الحدود بين التعريف ببرنامج عمومي قائم وبين تقديمه ضمن خطاب يستهدف الناخبين.

المشكلة هنا ليست في استمرار السياسة العمومية، بل في منطق نسبتها. فالسياسة العمومية الجيدة يفترض أن تستمر لأنها أثبتت نجاعتها، لا لأنها تحمل اسم الحزب الذي أطلقها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات مصطفى بايتاس، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لافتة حين قال إن البرنامج الجديد يستند إلى الحصيلة السابقة وإن الحزب اختار تقديم ما يعتبره منجزا قبل عرض تعاقده المقبل.

وفي الاتجاه نفسه، يقول محمد المهدي بنسعيد إن “البام” اشتغل داخل الأغلبية خلال الولاية المنتهية، وإن بعض المقترحات التي لم تلق القبول داخلها سيعاد تقديمها ضمن البرنامج الانتخابي المقبل.

هذه التصريحات تكشف أن سؤال الاستمرارية حاضر داخل الأحزاب نفسها، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في التمييز بين ما هو حصيلة فعلية، وما هو استمرار لسياسة قائمة، وما هو التزام جديد فعلا.

الأمازيغية.. من الاعتراف إلى قابلية القياس

القضية الأمازيغية تقدم مثالا أكثر وضوحا على الفجوة بين الاستمرارية والتنفيذ.

فالإطار الدستوري والقانوني قائم، والأحزاب تدرج الأمازيغية في برامجها بدرجات مختلفة، لكن السؤال الذي يطرحه الباحثون والفاعلون في المجال هو: ماذا تحقق فعلا؟

لحسن أمقران، الأستاذ الجامعي والباحث في اللغة والثقافة الأمازيغيتين، قال إن الإشكال الأساسي يرتبط بقدرة الحكومة والأحزاب على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، متحدثا عن تأخر في عدد من الالتزامات وضعف التنسيق بين المتدخلين، واصفا الوضع بوجود “فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة”.

وتتجاوز أهمية هذا المثال ملف الأمازيغية نفسه. فهو يضع أمام الناخب معيارا يصلح لبقية البرامج: كل وعد سياسي يحتاج إلى خط أساس يمكن مقارنته، وأجل يمكن تتبعه، ومؤشر يمكن قياسه.

بدون ذلك، يصعب بعد نهاية الولاية معرفة ما إذا كان البرنامج قد نفذ، أو أن الخطاب تغير فقط.

السياسة لا تبدأ من البرامج وحدها

البرامج ليست وحدها ما يكشف طبيعة المشهد الانتخابي المقبل.

فالتزكيات نفسها تعيد إلى الواجهة سؤال بنية العمل الحزبي. وفي سوس وكلميم، أعادت حالات مثل ترشح أفراد من عائلات سياسية معروفة إلى النقاش مسألة النفوذ العائلي في اختيار المرشحين وصناعة القرار الحزبي.

وجود أفراد من الأسرة نفسها في الاستحقاقات لا يكفي، طبعا، للحكم على أهلية أي مرشح، ولا يعني بالضرورة وجود مخالفة. لكن استمرار حضور أسماء وعائلات سياسية عبر أجيال يطرح سؤالا أوسع حول قدرة الأحزاب على تجديد النخب وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.

وهنا تتصل مسألة النخب بالعزوف. فكلما شعر المواطن بأن المنافسة السياسية تدور داخل دائرة مغلقة من الأسماء والشبكات نفسها، يصبح إقناعه بأن الانتخابات يمكن أن تغير شيئا أكثر صعوبة.

عزوف

العزوف.. احتجاج لا يغير النتيجة بالضرورة

العزوف هو الوجه الآخر لهذه المعادلة.

وفي هذا السياق، كان تصريح نبيل بنعبد الله ذا دلالة، حين ربط بين تراجع المشاركة السياسية وفقدان الثقة في العمل الحزبي، وقال إن حزبه من بين الأكثر تضررا من العزوف، معتبرا أن جزءا من المشكلة يرتبط بما وصفه بـ”حياة سياسية غير سوية” وبأدوار الريع وتضارب المصالح.

هذه ليست قراءة محايدة بالطبع، فهي صادرة عن قائد حزبي يخوض الانتخابات، لكنها مهمة لأنها تأتي من داخل الفاعل السياسي نفسه.

في المقابل، لا يمكن تفسير العزوف فقط بفشل الأحزاب. فالاختيار بعدم التصويت يظل قرارا سياسيا، لكنه لا يوقف الانتخابات ولا يلغي النتائج. ومن ثم، فإن المقاطعة قد تعبر عن رفض أو فقدان ثقة، لكنها لا تنتج بالضرورة البديل الذي يريده المقاطع.

وكما تذهب قراءة منشورة اليوم حول الموضوع، فإن غياب الفئات الشابة عن التصويت لا يعني غياب مصالحها عن القرار، لكنه قد يقلل وزنها السياسي في تحديد الأولويات.

وهنا تكمن المفارقة: الفئة التي تشتكي من ضعف التشغيل والسكن والتعليم والفرص الاقتصادية قد تكون نفسها الأقل قدرة على تحويل هذه المطالب إلى وزن انتخابي منظم.

15.8 مليون مسجل.. والسؤال عن من سيشارك

بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.801.162 ناخبا. وتشكل النساء 46 في المائة، بينما يمثل الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة أكثر من 29 في المائة من المسجلين، مقابل 4 في المائة فقط للفئة العمرية بين 18 و24 سنة، و15 في المائة للفئة بين 25 و34 سنة.

الأرقام هنا لا تعني أن الشباب غائبون عن المجتمع أو السياسة، لكنها تجعل المشاركة الشبابية إحدى أكثر نقاط الاستحقاق حساسية.

فالانتخابات المقبلة ستحدد مؤسسات ستتخذ قرارات تمتد آثارها إلى سنوات مقبلة في التشغيل والتعليم والسكن والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وإذا ظل جزء واسع من الشباب خارج المشاركة، فإن التمثيل الانتخابي للأولويات المرتبطة بهم قد لا يعكس حجمهم الديمغرافي الحقيقي.

وهذا ينقلنا من التساؤل حول سيي عزوف الشباب إلى: لماذا لم تنجح الأحزاب حتى الآن في جعل المشاركة السياسية تبدو للشباب وسيلة فعالة للتأثير؟

المال والموارد العمومية.. الاختبار يبدأ مع الحملة

ومع انطلاق الحملة غدا، سينتقل النقاش من البرامج إلى طريقة خوض المنافسة نفسها.

اليوم، أثيرت معطيات حول محاولات محتملة لاستعمال شبكات موظفين وأعوان في بعض جماعات الدار البيضاء لخدمة حملات مرشحين، وفي السياق نفسه، أثار توظيف بعض البرامج العمومية في التواصل الانتخابي نقاشا حول الحدود بين المرفق العمومي والدعاية السياسية.

وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل انتخابي ثانوي. فالقانون التنظيمي المؤطر للعملية الانتخابية يفرض قواعد دقيقة بشأن حياد الإدارة، ويمنع استعمال المنافع أو الهدايا للتأثير في الناخبين، ويؤطر الإعلانات والمسيرات والتواصل الرقمي، كما يخضع الحسابات الانتخابية للمراقبة من طرف المجلس الأعلى للحسابات.

وبذلك تدخل الحملة اختبارين متوازيين: اختبار إقناع الناخب بالبرنامج، واختبار احترام قواعد المنافسة.

ما الذي ينتظر الناخب غدا؟

ابتداء من غد، لن يكون أمام الأحزاب الكثير من الوقت للمناورة الخطابية. فالحملة محددة زمنيا، والناخب سيجد نفسه أمام عشرات البرامج والشعارات والمرشحين.

لكن أفضل طريقة لقراءة هذه الحملة ليست البحث عن أكثر خطاب حماسة، ولا عن أكبر عدد من الوعود، وإنما طرح خمسة أسئلة بسيطة على كل التزام:

هل هو جديد؟ هل هو قابل للقياس؟ كم سيكلف؟ من سينفذه؟ وماذا حدث للوعد نفسه عندما كان الحزب في موقع المسؤولية؟

بهذه الطريقة يمكن التفريق بين البرنامج والحصيلة، وبين الوعد والسياسة العمومية، وبين الاستمرارية الحقيقية وإعادة تقديم المنجز السابق باعتباره وعدا جديدا.

وهو معيار مهم خصوصا للأحزاب التي شاركت في الحكومة الحالية. فالحزب الموجود في السلطة لا يبدأ من صفحة بيضاء، بل يدخل الانتخابات ومعه حصيلة ينبغي أن تكون جزءا من تقييم الناخب.

أما حزب المعارضة، فعليه بدوره أن يوضح ليس فقط ما الذي ينتقده، بل كيف كان سيغيره لو امتلك القرار.

والحزب الذي يطمح لأول مرة إلى قيادة الحكومة مطالب بأن يشرح كيف سيمول وعوده، وكيف سينقلها من الوثيقة الانتخابية إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ.

بين كثرة الوعود وذاكرة الدولة

إن أزمة الانتخابات المغربية لا تكمن في أن الأحزاب لا تعرف الملفات التي تؤرق المواطنين، فالجميع يعرف أن التشغيل مشكلة، وأن التعليم يحتاج إلى إصلاح، وأن الصحة تحتاج إلى موارد، وأن القدرة الشرائية تشكل ضغطا، وأن الشباب يبحث عن أفق، وأن الأمازيغية تحتاج إلى مزيد من التنزيل.

المشكلة الحقيقية هي في الفجوة بين معرفة المشكلة والقدرة على بناء سياسة عمومية تراكمية لمعالجتها، سياسات عمومية عرضانية تتميز بالتقائتها بين القطاعات ومستمرة في أمدها.

فالبلد لا يمكن أن يعيد تشخيص التعليم والصحة والتشغيل والأمازيغية كل خمس سنوات كما لو أنه يبدأ من الصفر.

الحكومة المقبلة ستجد أمامها برامج وأوراشا قائمة، بعضها ناجح وبعضها متعثر وبعضها يحتاج إلى مراجعة. والاختبار السياسي الحقيقي ليس في محو ما سبق ووضع أسماء جديدة، وإنما في القدرة على التمييز بين ما يجب أن يستمر، وما يجب أن يصحح، وما يجب أن يتوقف.

وفي هذا السياق، يصبح البرنامج الانتخابي ذا معنى فقط عندما يتحول إلى تعاقد قابل للتتبع والمحاسبة.

أما العزوف، فلا يمكن مواجهته بمجرد مطالبة المواطنين بالتصويت. استعادة المشاركة تبدأ من استعادة الثقة: في الحزب، وفي المرشح، وفي البرنامج، وفي إمكانية مساءلة من يصل إلى السلطة.

غدا تبدأ الحملة، لكن المعركة الأهم لن تكون فقط على الأصوات، بل على إقناع مواطن متردد بأن صوته يمكن أن يصنع فرقا، وإقناع المواطن المصوت بأن ما يسمعه اليوم لن يتحول بعد 23 شتنبر إلى ذاكرة انتخابية منسية.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لانتخابات 2026: هل تنتقل الأحزاب من صناعة الوعود إلى صناعة السياسات، ومن منطق البرنامج الجديد كل خمس سنوات إلى بناء ذاكرة مؤسساتية تراكم ما تحقق وتصحح ما فشل؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *