شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

“مهندسو الفظائع”.. منظمة العفو الدولية تكشف منظومة القمع في إيران وتطالب بالعدالة الدولية

امنيستي

بعد أربع سنوات من اندلاع انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية”، تعيد منظمة العفو الدولية فتح ملف القمع في إيران من زاوية مختلفة: ليس فقط من قتل واعتقل وعذب المحتجين، وإنما كيف عملت أجهزة الدولة، ومن أصدر الأوامر، وكيف انتقلت المسؤولية عبر سلسلة القيادة، ولماذا بقيت هذه البنية خارج المحاسبة؟

في تقرير جديد صدر اليوم الأربعاء 16 شتنبر، بعنوان “مهندسو الفظائع: أجهزة الدولة التي نسقت ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة المرأة، الحياة، الحرية في إيران عام 2022″، تقول المنظمة إن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في سياق قمع الاحتجاجات، وتحدد 87 مسؤولا إيرانيا ترى أنه ينبغي إخضاعهم لتحقيقات جنائية. التقرير يتجاوز ألف صفحة، وتقول المنظمة إن تحقيقه استند إلى مقابلات مع 270 شخصا، وتحليل أكثر من ألفي مقطع فيديو، إلى جانب وثائق رسمية وتصريحات وأحكام قضائية وسجلات للطب الشرعي ووثائق مسربة.

ولا تقدم العفو الدولية هذه الأسماء باعتبارها أحكاما بالإدانة. وتوضح أن معيارها كان وجود “أسباب معقولة للاعتقاد” بأن الأشخاص المحددين قد يتحملون مسؤولية عن جرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى مواقعهم في هرم القيادة، وسلطتهم على المرؤوسين، ودورهم في إصدار الأوامر أو تسهيل الانتهاكات أو دعمها. كما تؤكد أن القائمة ليست شاملة.

من وفاة مهسا أميني إلى “المرأة، الحياة، الحرية”

بدأت موجة الاحتجاجات في سبتمبر 2022، عقب وفاة جينا مهسا أميني بعد احتجازها من قبل ما كان يعرف بشرطة “الأخلاق”. سرعان ما تحولت الاحتجاجات من قضية الحجاب الإلزامي إلى حركة واسعة رفعت مطالب تتعلق بالحقوق والحريات والكرامة والتغيير السياسي.

وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات ردت على الاحتجاجات باستخدام قوة مميتة وغير قانونية، وعمليات اعتقال واسعة، والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي، إضافة إلى ملاحقة عائلات الضحايا.

وفي وثيقة مرافقة للتقرير، توثق المنظمة مقتل 377 محتجا ومارا، بينهم 56 طفلا، خلال الفترة الممتدة أساسا من سبتمبر إلى ديسمبر 2022. وتشدد على أن الرقم يتعلق بالحالات التي تمكنت من توثيقها، ولا يمثل بالضرورة العدد الكامل للقتلى.

وتقول المنظمة إن قوات الحرس الثوري الإيراني وقيادة الشرطة في الجمهورية الإسلامية “FARAJA” كانتا القوتين الرئيسيتين المشاركتين في العمليات القمعية، إلى جانب وحدات تابعة لهما، بينها وحدات الباسيج وقوات خاصة وشرطة الوقاية.

لماذا تصف المنظمة الانتهاكات بأنها “جرائم ضد الإنسانية”؟

المفهوم هنا له دلالة قانونية محددة. فوفقا للمادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تشمل الجرائم ضد الإنسانية أفعالا مثل القتل والتعذيب والاغتصاب والاضطهاد والاختفاء القسري والسجن عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين.

وبناء على هذا الإطار، خلصت العفو الدولية إلى أن الانتهاكات التي وثقتها خلال قمع انتفاضة 2022 شملت القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والاختفاء القسري والسجن والاضطهاد على أسس سياسية وجندرية وإثنية ودينية، وأنها ارتكبت في إطار هجوم واسع ومنهجي ضد سكان مدنيين.

وتقول المنظمة إن تحليلها لم يعتمد فقط على شهادات الضحايا. فقد أجرت 270 مقابلة مع محتجين سابقين ومعتقلين وأقارب ضحايا وشهود ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين وعاملين في القطاع الصحي، كما حللت أكثر من ألفي مقطع فيديو، فضلا عن وثائق رسمية مسربة، وقرارات للنيابة وأحكام قضائية ووثائق للطب الشرعي وتصريحات لمسؤولين.

من الشارع إلى هرم القيادة

أبرز ما يميز التقرير الجديد هو انتقاله من توثيق الانتهاكات إلى إعادة بناء سلسلة القيادة.

بحسب التحقيق، لم تعمل القوات التي واجهت المحتجين بصورة منفصلة، وإنما ضمن هياكل أمنية وعسكرية مرتبطة بمستويات قيادية وطنية وإقليمية ومحلية. وتقول المنظمة إن سياسات قمع الاحتجاجات صيغت عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، ومجالس الأمن الحكومية، ومجالس الأمن على مستوى المحافظات والمقاطعات، ثم نفذت من خلال أوامر صادرة عن وزارة الداخلية ومسؤولين محليين.

وتقول العفو الدولية إن قوات الحرس الثوري و”فراجا” استخدمت أسلحة نارية عسكرية وبنادق خرطوش محملة بكريات معدنية، وإن إطلاق النار لم يقتصر، بحسب الأدلة التي جمعتها، على المحتجين الذين كانوا يشكلون خطرا، بل طال أيضا أشخاصا غير مسلحين ومارة وفارين من أماكن الاحتجاج.

وتستند المنظمة في جزء من استنتاجاتها إلى أوامر ووثائق رسمية مسربة، من بينها وثيقة تقول إنها تضمنت توجيهات بالرد “بلا رحمة” والذهاب إلى حد التسبب في الوفيات.

صورة تعبيرية (2)

من هم المسؤولون الـ87؟

تحدد العفو الدولية 87 مسؤولا ترى أن عليهم أن يكونوا موضع تحقيق جنائي.

وتتوزع القائمة، بحسب المنظمة، بين 62 من قادة الأجهزة الأمنية، بينهم 33 قائدا في الحرس الثوري و27 في قيادة الشرطة، إضافة إلى 25 مسؤولا في وزارة الداخلية، بينهم حكام ومسؤولون على مستوى المحافظات والمقاطعات.

ومن بين الـ87، يوجد 10 مسؤولين على المستوى الوطني و77 على المستويات الإقليمية والمحلية، مع تركيز بحثي خاص على 17 مقاطعة في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.

وتوضح المنظمة أن تحديد الأسماء استند إلى مواقع الأشخاص داخل هرم القيادة، ومدى سلطتهم على المرؤوسين، والأفعال التي قاموا بها لتسهيل الجرائم أو التحريض عليها أو دعمها، إضافة إلى تصريحاتهم العامة والأوامر الرسمية التي صدرت خلال فترة الاحتجاجات.

وتشمل القائمة، بحسب التقرير، المرشد الأعلى السابق علي خامنئي ورئيس هيئة الأركان السابق محمد باقري، اللذين توفيا في فبراير 2026 خلال الغارات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إلى جانب مسؤولين آخرين كانوا في مواقع قيادية خلال أحداث 2022.

الأكراد والبلوش.. تفاوت في حجم القمع

لا يعرض التقرير القمع باعتباره متساويا في جميع أنحاء إيران.

وتخصص منظمة العفو الدولية جزءا مهما من بحثها لمجتمعي الأكراد والبلوش، وتقول إنهما تعرضا لاستخدام مفرط للقوة خلال الاحتجاجات.

ففي محافظة سيستان وبلوشستان، وثقت المنظمة أسماء 106 من المحتجين والمارة البلوش الذين قتلوا على أيدي قوات الأمن، بينهم 87 شخصا، من ضمنهم 15 طفلا، قتلوا في يوم واحد خلال العملية الأمنية التي وقعت في 30 سبتمبر 2022، والمعروفة باسم “الجمعة الدامية”.

كما وثقت مقتل 95 محتجا ومارا كرديا في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، بينهم 13 قاصرا، وقالت إن قوات الأمن استخدمت بصورة منهجية أسلحة نارية عسكرية في هذه المناطق.

وتعتبر المنظمة أن هذا التفاوت في أنماط استخدام القوة يشكل جزءا من أساس استنتاجها بشأن الاضطهاد على أسس إثنية ضمن الجرائم التي تقول إنها ارتكبت خلال تلك الفترة.

لماذا تربط المنظمة بين 2022 ويناير 2026؟

الربط بين الحدثين هو أحد المفاتيح الأساسية في التقرير الجديد.

فأمنيستي تقول إن عدم محاسبة المسؤولين عن انتهاكات 2022 ساهم في استمرار البنية نفسها، وإن المسؤولين الذين ارتبطوا بالقمع ظلوا في مواقع داخل جهاز الدولة، بل إن بعضهم تقدم لاحقا داخل هرم القيادة.

وفي يناير 2026، اندلعت موجة احتجاجات جديدة، وتقول المنظمة إن قوات الأمن قتلت آلاف المحتجين والمارة خلال يومي 8 و9 يناير، معتبرة أن ما وقع يمثل تصعيدا غير مسبوق في استخدام القوة المميتة.

وبذلك، لا تقدم العفو الدولية أحداث يناير باعتبارها ملفا منفصلا تماما عن 2022، بل باعتبارها، في قراءتها، دليلا على كلفة استمرار الإفلات من العقاب.

وهذه النقطة ليست جديدة تماما في خطاب المنظمة. ففي أبريل 2026، حذرت العفو الدولية من مخاطر “دورات” متكررة من القتل خلال الاحتجاجات، وربطت بين القمع الداخلي والانتهاكات التي تعرض لها الإيرانيون خلال النزاع المسلح.

لماذا تقول العفو الدولية إن القضاء الإيراني غير قادر على تحقيق العدالة؟

يخصص المقال التوضيحي المرافق للتقرير مساحة مهمة للإجابة عن هذا السؤال.

وتقول المنظمة إن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب الإرادة السياسية للتحقيق، وإنما ببنية قانونية ومؤسساتية تعتبرها غير مستقلة بما يكفي للتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى الأجهزة الأمنية.

وبحسب العفو الدولية، فإن السلطة القضائية تقع ضمن بنية تخضع للمرشد الأعلى، الذي يعين رئيس السلطة القضائية، فيما يمكن أن تنظر المحاكم العسكرية في قضايا تتعلق بأفراد من الأجهزة الأمنية. وتنتقد المنظمة أيضا القوانين المتعلقة باستخدام الأسلحة النارية في تفريق الاحتجاجات، معتبرة أنها توفر حماية واسعة لأفراد القوات الأمنية من المسؤولية عن بعض حالات استخدام القوة.

كما تقول إن السلطات الإيرانية لم تفتح تحقيقات فعالة ومستقلة ومحايدة وشفافة في الانتهاكات التي وثقتها، وإن عائلات الضحايا التي تطالب بالحقيقة والعدالة تعرضت بدورها للمضايقة والملاحقة.

وبناء على ذلك، تخلص المنظمة إلى أن آليات العدالة الداخلية لا توفر، من وجهة نظرها، طريقا واقعيا للمساءلة عن الجرائم الدولية التي وثقها التقرير.

من التوثيق إلى العدالة الدولية

تدعو منظمة العفو الدولية الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية بشأن الجرائم المرتكبة في إيران، بحيث تتولى التحقيق في الجرائم الدولية وتساعد على تحديد المسؤولين عنها تمهيدا للملاحقة القضائية.

كما تدعو الدول إلى الدفع باتجاه إحالة الوضع في إيران إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من خلال مجلس الأمن، وإلى استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية أو غيرها من أشكال الاختصاص خارج الإقليم عندما تتوافر الأدلة والشروط القانونية اللازمة.

وتربط المنظمة مطلبها بالعوائق السياسية أمام تحرك مجلس الأمن، وبحجم الجرائم التي وثقتها، وبما تعتبره خطرا مستمرا من تكرارها.

العريضة.. تحويل المطالبة إلى تحرك دولي

وبالتوازي مع التقرير والبيان الصحفي والمقال التوضيحي، أطلقت منظمة العفو الدولية عريضة موجهة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وتطالب العريضة بإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية للتحقيق والملاحقة في الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في إيران، وهي بذلك تشكل الجانب العملي من الحملة التي أطلقتها المنظمة بالتزامن مع نشر التقرير.

وتضع العفو الدولية العريضة ضمن مسار أوسع للمطالبة بتحويل التوثيق الحقوقي إلى آلية مؤسساتية للمساءلة، بدلا من الاكتفاء بإصدار تقارير دورية حول الانتهاكات.

وتؤكد المنظمة في موادها التوضيحية أن الهدف ليس إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم، وإنما تمكين جهات التحقيق والقضاء المختصة من فحص الأدلة وتحديد المسؤولية الفردية وفقا للمعايير القانونية.

ملف حقوقي في ظل حرب وانتهاكات متعددة الأطراف

يصدر التقرير في ظرف إيراني شديد التعقيد، إذ لا تجري أحداث القمع الداخلي بمعزل عن الحرب التي شهدتها البلاد خلال 2026.

ومنظمة العفو الدولية نفسها نشرت في سبتمبر تقريرا منفصلا دعت فيه إلى التحقيق في هجمات أمريكية وإسرائيلية على مناطق مكتظة بالسكان في طهران، قالت إنها أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين، وإلى تحديد ما إذا كانت بعض الهجمات قد تشكل جرائم حرب. كما دعت إلى المساءلة عن الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني من جانب جميع الأطراف.

وهذا التفريق مهم في قراءة التقرير الجديد: مطالبة إيران بالمحاسبة على جرائم ضد الإنسانية لا تعني، وفق موقف المنظمة نفسه، تبرير انتهاكات القانون الدولي من أطراف أخرى.

ففي تقريرها الصادر في أبريل، قالت العفو الدولية إن المدنيين في إيران يواجهون مخاطر مزدوجة: القمع الداخلي والانتهاكات المرتبطة بالنزاع المسلح، ودعت في الوقت نفسه إلى حماية المدنيين ومحاسبة جميع الأطراف عن الانتهاكات التي ترتكبها.

أربع سنوات من التوثيق.. والسؤال الذي يبقى

يقدم تقرير “مهندسو الفظائع” محاولة لإعادة تركيب ملف “المرأة، الحياة، الحرية” ليس فقط من خلال الضحايا والانتهاكات، وإنما من خلال المؤسسات التي تقول المنظمة إنها مكنت من وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يضع التقرير أربعة ملفات مترابطة أمام المجتمع الدولي: توثيق الجرائم، تحديد المسؤولية الفردية، معالجة الإفلات من العقاب، ومنع تكرار القتل الجماعي خلال الاحتجاجات.

أما العريضة التي أطلقتها المنظمة، فتمنح حملتها بعدا سياسيا ومؤسساتيا، من خلال الضغط على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية.

لكن الانتقال من التقرير والعريضة إلى العدالة الفعلية يظل رهينا بمسار دولي معقد، يبدأ بقرار سياسي داخل المؤسسات الأممية، ثم يحتاج إلى آليات تحقيق مستقلة وأدلة قابلة للاستخدام القضائي، وصولا إلى تحديد المسؤولية الفردية أمام جهات قضائية مختصة.

وبينما تقول منظمة العفو الدولية إن استمرار الإفلات من العقاب ساهم في تكرار الانتهاكات، فإن تقريرها الجديد يضع أمام المجتمع الدولي سؤالا محددا: هل يبقى توثيق جرائم 2022 و2026 منفصلا عن مسار العدالة، أم يتحول أخيرا إلى آلية دولية للتحقيق والمساءلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *