البوصلة – خاص
ليس أخطر ما في تقرير منظمة العفو الدولية الجديد عن المغرب أنه أعاد فتح ملف بيغاسوس، فقد سبق للعالم أن عرف هذا الاسم منذ سنوات. الأخطر أن التقرير يحاول هذه المرة رسم صورة متكاملة لمنظومة يقول إنها لا تبدأ ببرنامج تجسس ولا تنتهي به، بل تمتد من المراقبة الرقمية إلى التتبع الميداني، ومن جمع المعلومات الخاصة إلى حملات التشهير، ثم إلى الملاحقات القضائية والسجن. وتضع أمنستي المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في قلب هذه المنظومة، مستندة إلى فحوص رقمية، وسجلات استهداف مسربة، وشهادات من داخل الجهاز، ومقابلات مع أشخاص يقول التقرير إنهم تعرضوا للمراقبة. (Amnesty International Security Lab)
لكن العمل الصحفي يقتضي منا التوقف عند عبارة أساسية: التقرير ليس حكما قضائيا. وهو نفسه يقوم على مستويات مختلفة من الأدلة واليقين؛ فهناك أجهزة تقول أمنستي إنها فحصتها جنائيا وثبتت فيها آثار بيغاسوس، وهناك أرقام ظهرت ضمن سجلات استهداف، وهناك شهادات لمصادر داخلية، ثم استنتاجات تربط بين المراقبة والتشهير والملاحقة القضائية. ومن هنا تبرز أهمية التساؤل التالي: “ما الذي تستطيع الأدلة المنشورة أن تثبته فعلا، وما الذي يبقى في دائرة الاستنتاج؟”.
في هذا السياق، تبدو الأرقام الثلاثة الأكثر دلالة في التقرير: تحليل سجلات تضم نحو 13 ألف رقم مغربي ظهر كأهداف محتملة، ثم مطابقة 103 أرقام بأشخاص محددين في عينة تعود إلى الفترة بين سبتمبر وديسمبر 2017. ومن هؤلاء، تقول أمنستي، كان هناك 65 شخصا من المجتمع المدني، بينهم 34 مدافعا عن حقوق الإنسان و22 صحفيا وعاملا في الإعلام، إلى جانب سياسيين ومسؤولين ودبلوماسيين. وهذه نقطة مهمة جدا، لأن “الاستهداف المحتمل” لا يساوي في ذاته “الاختراق الفعلي”، لكن تركيبة الأسماء نفسها تطرح سؤالا أكبر بشأن الأولويات التي كانت وراء استخدام هذه التقنية. (Amnesty International)
وعندما نترك الأرقام ونقترب من الأسماء، يصبح الملف أكثر حساسية.
عمر الراضي ليس اسما عرضيا في هذا التحقيق. أمنستي كانت قد أعلنت في يونيو 2020 أنها أثبتت جنائيا تعرض هاتفه لبيغاسوس. وبعد أسابيع، اعتقل الراضي، ثم أودع الحبس الاحتياطي، قبل أن يدان في يوليوز 2021 في قضية تضمنت اتهامات تتعلق بالأمن والاعتداء الجنسي والاغتصاب. التقرير الجديد لا يقول إن إثبات الاختراق هو الذي تسبب في اعتقاله، ولا يملك وحده ما يثبت علاقة سببية مباشرة بين الحدثين، لكنه يضعهما داخل تسلسل زمني شديد الحساسية ويضيف إليه شهادة مصدر أمني سابق قال إن الراضي كان هدفا ذا أولوية، وإن وسائل المراقبة لم تقتصر على الهاتف، بل شملت، بحسب روايته، تتبع تحركاته والتنصت عليه ومراقبة أفراد من محيطه.
والأهم أن الراضي نفسه لا يتحدث فقط عن اختراق هاتف، وإنما عن أثر نفسي ومهني طويل. وفي مقابلة مع أمنستي قال إن جهاز الدولة، في نظره، كان يعتبره خطرا مستقبليا ينبغي “كسره” قبل أن يتسع تأثيره. كما قال إن المراقبة، في تقديره، استمرت حتى بعد خروجه من المغرب، وإنها لم تعد تحمل في الخارج وسائل الإكراه نفسها، لكنها أبقت هاجس التتبع قائما.
ثم يأتي سليمان الريسوني، في واحدة من أكثر الحالات التي تمنح التقرير ثقلا وبعدا خاصا بسبب التتابع الزمني الذي يسرده التقرير بين المراقبة والتشهير والاعتقال.
تقول أمنستي إن الريسوني تعرض لمراقبة رقمية وميدانية، وإن الأمر طال بعض أفراد أسرته أيضا. وتضع في روايتها تاريخا بالغ الدلالة: في 17 ماي 2020 نشرت إحدى المنابر الإعلامية الالكترونية، مادة موجهة اليه بصيغة تهديدية، وبعد أيام نشر الريسوني مقالا ينتقد فيه أداء المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والنيابة العامة، ثم اعتقل يوم 22 ماي. ويشير التقرير إلى أن صحفيين من المنبر المذكور، كانوا حاضرين في مكان اعتقاله وصوروا العملية، وهو ما يصفه التقرير باعتباره جزءا من مشهد إعلامي وأمني متداخل، لا دليلا مستقلا على وجود تنسيق سببي بين الطرفين.
لكن قصة الريسوني لا تتوقف عند الاعتقال. فالتقرير يقول إن المراقبة امتدت إلى أسرته، ويذكر أن رقم هاتف ابنة شقيقه هاجر الريسوني وزوجها كان ضمن قائمة الأهداف المحتملة في مشروع بيغاسوس. كما يصف كيف استمرت حملات التشهير بعد خروجه من السجن بعفو ملكي سنة 2024، فيما يقول الريسوني إن ما تغير هو شكل الخطاب أكثر مما تغيرت وظيفته، وإن الهدف بات، في تقديره، إضعاف صورته العامة وتعقيد قدرته على الحركة خارج المنطقة. وفي عبارة ذات دلالة، قال لأمنستي إن على الصحفيين أن يتعلموا فقط كيف يقللون أثر “المراقبة الدائمة”، لأنهم لا يستطيعون إلغاءها.
أما توفيق بوعشرين، فوجوده في هذا الملف يطرح سؤالا أكثر تعقيدا حول العلاقة بين التحقيقات الأمنية والملفات القضائية. تقرير أمنستي يقول إن مصدره السابق في الجهاز تحدث عن استخدام أدوات لاستخراج بيانات من حاسوب بوعشرين، وعن مراقبة داخل مكتبه، فيما يستند التقرير أيضا إلى ما قالته مجموعة الأمم المتحدة العاملة المعنية بالاحتجاز التعسفي بشأن وجود انتهاكات لمسار المحاكمة في قضيته. وفي المقابل، يظل الحكم القضائي المغربي قائما، لكن ما يصعب تجاهله هو أن بوعشرين، شأنه شأن الريسوني والراضي، ظهر في قلب قصة متكررة تجمع بين الصحافة المعارضة، والمراقبة، ثم المتابعة القضائية.
والاسم الرابع الذي يوسّع الصورة هو هشام المنصوري، الصحفي والباحث الذي يقول التقرير إنه كان ضحية للمراقبة ثم اضطر إلى العيش في فرنسا. وهو ليس مجرد اسم في لائحة الضحايا، بل كان أيضا من بين الصحفيين الذين ساهموا في البحث والتحقق من بعض عناصر الملف. ويذكر التقرير أنه أجرى على مدى سنوات مئات الساعات من المقابلات مع مصادر مختلفة حول منظومة المراقبة، قبل أن يهاجر إلى فرنسا، حيث واصل عمله الصحفي. وفي شهادته لأمنستي وصف أثر المراقبة المزمن بأنه يقود في النهاية إلى الرقابة الذاتية، وهي ربما أخطر نتيجة لأي نظام مراقبة: أن يبدأ الصحفي بمراقبة نفسه بنفسه قبل أن يراقبه أحد.

وهنا تبرز واحدة من أهم أفكار التقرير: الهدف من المراقبة، في رواية أمنستي، ليس دائما الحصول على معلومة أمنية بحد ذاتها، بل امتلاك مادة يمكن استخدامها للتأثير في الشخص أو محيطه أو سمعته. ويقدم التقرير شهادات عن تسجيلات سرية في المنازل والسيارات وأماكن الاحتجاز، وعن استخدام معلومات شخصية في حملات تشهير. وفي حالة عفاف برناني، الصحفية السابقة في “أخبار اليوم”، يتحدث التقرير عن صور ومحتويات ذات طابع جنسي استعملت ضدها، بينما تقول برناني إن الخطاب الذي استهدفها أصبح أداة سياسية. وهذه بالذات منطقة شديدة الخطورة، لأن انتهاك الخصوصية يصبح، إن صح، جزءا من استراتيجية لتقويض الإنسان في المجال العام، وليس مجرد عملية جمع معلومات.
وهنا لا تعود القضية مرتبطة ببيغاسوس وحده. أمنستي نفسها تصر على أن بيغاسوس “أداة” داخل منظومة أوسع، تضم المراقبة التقليدية، والاستماع إلى المكالمات، وتتبع المواقع، والوصول إلى الأجهزة، ومراقبة المحيط الاجتماعي، بما في ذلك أفراد الأسرة والأصدقاء. وفي إحدى أكثر الشهادات إثارة للقلق يقول المصدر السابق في DGST إن المراقبة “قد تمتد حتى إلى مرحلة السجن، وإن العملية لا تنتهي بمجرد اعتقال الشخص”. هذه رواية المصدر، لا حقيقة قضائية مثبتة في كل جزئياتها، لكنها تظل من أثقل عناصر التقرير لأنها صادرة، بحسب أمنستي، عن شخص عمل داخل الجهاز وشاركت المنظمة في التحقق من هويته وروايته عبر مصادر أخرى.
ماذا يقول القانون المغربي نفسه؟
الدستور المغربي لسنة 2011 لا يترك مسألة الخصوصية في منطقة رمادية. فتصديره ينص على جعل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، مع العمل على ملاءمة هذه التشريعات معها. كما ينص الفصل 24 بوضوح على حق كل شخص في حماية حياته الخاصة، وعلى سرية الاتصالات الشخصية، وألا يتم الاطلاع على مضمونها أو نشرها أو استعمالها إلا بأمر قضائي ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون. ويضمن الفصل 25 حرية الفكر والرأي والتعبير.
والمغرب ليس فقط دولة وضعت هذه المبادئ في دستورها، بل دولة صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1979، وهو العهد الذي تحمي مادته 17 الأفراد من التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصيتهم ومراسلاتهم وأسرهم ومنازلهم، فيما تؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن أي تدخل في الخصوصية لا يكفي أن يكون منصوصا عليه محليا، بل يجب أيضا أن يكون معقولا وضروريا ومتناسبا مع غرض مشروع، مع وجود ضمانات فعالة ضد التعسف ووسائل انتصاف حقيقية.
بل إن تقرير أمنستي نفسه يقر بأن القانون المغربي يوفر، من حيث المبدأ، بعض الضمانات؛ فهو يشير إلى الفصل 24، وإلى مقتضيات المسطرة الجنائية التي تشترط، في حالات اعتراض الاتصالات، إذنا قضائيا مكتوبا يحدد نطاق العملية وموضوعها ومدتها. المشكلة، بحسب التقرير، ليست فقط في وجود النص، وإنما في الفجوة المفترضة بين النص والممارسة، وفي ضعف الرقابة المستقلة وسبل الانتصاف.
لكن هل تستطيع هذه القوانين منع التجاوز عندما يتعلق الأمر بأجهزة تملك أدوات سرية وقدرات تقنية واسعة؟
ثم هناك بعد آخر يصعب تجاوزه في حالة المغرب: مسار العدالة الانتقالية.
هيئة الإنصاف والمصالحة لم تكن مجرد آلية لتعويض الضحايا، بل أقامت تجربتها على كشف الحقيقة، والوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة، وجبر الأضرار، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار ما جرى، وتعزيز الثقة في حكم القانون واحترام حقوق الإنسان. والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو المؤسسة التي تحمل اليوم إرث هذه التجربة، ما زال يعرض من بين خلاصات الهيئة ضرورة استثمار دروس الماضي لتوفير ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات.
لهذا، فإن تقرير أمنستي يطرح على المغرب سؤالا يتجاوز بيغاسوس بكثير. هل المغرب، الذي جعل في تصدير دستوره الاتفاقيات الدولية المصادق عليها تسمو على التشريعات الوطنية، يطبق هذا المبدأ فعلا عندما يتعلق الأمر بأجهزة المراقبة والأمن؟
هل الفصل 24، الذي جعل الحياة الخاصة وسرية الاتصالات حقا دستوريا، يحمي المواطن فعلا عندما تكون المراقبة سرية، وعندما لا يعرف المستهدف أنه كان مراقبا، ولا يعرف من راقبه، ولا لماذا راقبه، ولا أين انتهت البيانات التي جمعت عنه؟
هل يمكن أن يقال إن القطع مع ماضي الانتهاكات قد ترسخ مؤسسيا إذا ظلت الاتهامات المتعلقة بالتجسس والتشهير والضغط على الصحفيين والنشطاء تمر من دون تحقيق مستقل وشفاف قادر على الوصول إلى الحقيقة، أيا كانت نتيجتها؟
وهل العفو والإفراج يكفيان وحدهما لإغلاق الملف، أم أن دولة القانون تقتضي أيضا حق الضحية المفترض في معرفة الحقيقة، ومعرفة من راقبه، ولماذا، ومن استخدم معطياته الخاصة، ومن سربها، ومن استفاد منها، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت الانتهاكات؟
وهل يمكن لدولة تطمح إلى ترسيخ صورتها كدولة مؤسسات أن تترك واحدة من أخطر أدوات السلطة الحديثة،-المراقبة الرقمية-، خارج المراقبة المستقلة؟
حتى الآن، تقول أمنستي إنها وجهت إلى السلطات المغربية خلاصات نتائجها قبل شهر من نشر التقرير ولم تتلق ردا. وتقول لجنة حماية الصحفيين إنها بدورها طلبت تعليقا من وزارة الداخلية ولم تتلق جوابا. هذا الصمت لا يثبت صحة ما ورد في التقرير، لكنه يجعل الحاجة إلى رد مؤسساتي أكثر وضوحا، لأن الاتهامات هنا لم تعد مجرد ادعاءات صحفية عابرة، بل صارت منشورة في تقرير حقوقي بعنوان: “نحن نبدأ بالحكم: في قلب منظومة المراقبة المغربية” من 126 صفحة، ومدعومة بما تقول المنظمة إنها أدلة رقمية وشهادات وسجلات وتحقيقات مستقلة.
صحيح أن الدولة الحديثة تحتاج إلى أجهزة أمن قوية، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى قواعد تجعل هذه القوة قابلة للمراجعة والمساءلة. والأمن الذي لا يخضع للرقابة القانونية قد يتحول، من حيث لا ينبغي، من حماية للدولة والمجتمع إلى قوة قائمة بذاتها.
وهنا تحديدا توضع المسافة بين دستور يعلن سمو الحقوق، وممارسة تثبت احترامها؛ وبين دولة تقول إنها طوت صفحة الانتهاكات، ودولة تبرهن، بالأفعال، أنها بنت مؤسسات تحول دون عودتها.

أمين طاهر، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
