شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

“دين ودنيا” أمام عقوبة جديدة.. الهاكا توقف برنامجا إذاعيا بسبب توجيه الاختيار الانتخابي

دين ودنيا

قررت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري توقيف بث برنامج “دين ودنيا” الذي تبثه إذاعة “شدى إف إم” لمدة شهر، في قرار جديد أعاد البرنامج إلى واجهة النقاش حول مسؤولية وسائل الإعلام السمعية البصرية وحدود التدخل في توجيه الاختيارات الانتخابية.

وصدر قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-62 بتاريخ 18 شتنبر 2026، على خلفية حلقة بثت يوم 18 شتنبر الجاري، وخلص، بعد الاطلاع على تقرير المديرية العامة للاتصال السمعي البصري، إلى وجود إخلالات مرتبطة بمضمون تدخل أحد ضيوف البرنامج وبكيفية تدبير النقاش خلال الحلقة. وقرر المجلس أن يبدأ وقف البث ابتداء من 19 شتنبر 2026.

وبحسب القرار الرسمي، فإن الضيف الذي يقدم بصفته “الأستاذ الشيخ الداعية” تناول مسألة الاختيار الانتخابي من خلال ربط صلاحية المرشحين ومعايير اختيارهم بالممارسة الدينية والموقف من الدين. واعتبر المجلس أن هذا التدخل تضمن “توظيف الممارسة العمومية للشعائر الدينية” و”الوضع الاعتباري في توجيه الإرادة الانتخابية”، بما لا ينسجم، وفق تعليل القرار، مع واجب الموضوعية والحياد.

ولم يقف تعليل المجلس عند مسألة التوجيه الانتخابي، إذ اعتبر أن مضمون التدخل ينطوي كذلك على تمييز سلبي بين فئات من المجتمع، ويتعارض مع ما يقتضيه الالتزام بالمساهمة في تحصين التماسك الاجتماعي، خاصة خلال الفترة الانتخابية. وفي الوقت نفسه، شدد القرار على أن هذه الملاحظات لا تلغي مبدأ حرية الاتصال السمعي البصري وحق المتدخلين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم، وإنما ترتبط بحدود المسؤولية التحريرية والتحكم في البث.

وتبرز في الملف أيضا مسؤولية المؤسسة الإذاعية، إذ ذكرت الهيئة أن دفتر تحملات “شدى راديو” يفرض على المتعهد ضمان احترام المبادئ والقواعد المنصوص عليها في القانون والظهير ودفتر التحملات، إلى جانب واجب مراقبة البرامج قبل البث وأثناءه، واتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة التحكم الفوري في البث عند الاقتضاء. كما ينص دفتر التحملات، وفق القرار، على تطبيق مبادئ نزاهة الأخبار وعلى ضرورة تحقيق التوازن والجدية والصرامة في تناول الكلمة، مع احترام تعددية التعبير عن مختلف اتجاهات الفكر والرأي.

البوصلة

واللافت أن قرار 18 شتنبر لا يشكل سابقة بالنسبة إلى البرنامج نفسه. فقد أشار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري إلى أنه سبق أن اتخذ في حق شركة “شدى راديو” إجراءات عقابية مرتبطة ببرنامج “دين ودنيا” خلال سنوات 2014 و2015 و2016 و2018، كان من بينها وقف بث البرنامج لمدة أسبوعين سنة 2018، إضافة إلى قرارات سابقة بالإنذار.

وتعكس هذه السوابق انتقال النقاش من مضمون حلقة بعينها إلى مسألة أوسع تتعلق بالمسؤولية التحريرية عندما يستضيف برنامج إعلامي شخصا يقدم بصفة دينية أو اعتبارية، ثم ينتقل النقاش من المجال الديني إلى المجال الانتخابي. فالقرار الأخير لم يؤاخذ مجرد التعبير عن موقف ديني، وإنما ربط المؤاخذة بالطريقة التي وظف بها هذا الخطاب في سياق توجيه إرادة الناخبين.

ويأتي القرار في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية، وهي الفترة التي وضعت فيها الهيئات التنظيمية لوسائل الإعلام قواعد مشددة لضمان تعددية التعبير السياسي ونزاهة النقاش العمومي وحياد وسائل الإعلام. وكانت الهيئة قد اعتمدت في يونيو الماضي قرارا معياريا خاصا بتغطية انتخابات 23 شتنبر، شمل قواعد الولوج إلى وسائل الاتصال السمعي البصري ومكافحة الأخبار الزائفة والمحتويات الانتخابية المضللة.

وبوقف “دين ودنيا” لمدة شهر، تضع الهاكا الملف مجددا أمام معادلة دقيقة: حرية التعبير من جهة، وواجب المتعهد السمعي البصري في ضمان الحياد والمسؤولية والتحكم في المضامين من جهة أخرى. وفي الحالة الأخيرة، اختار المجلس الحسم انطلاقا من ما اعتبره إخلالا بالقواعد القانونية والتنظيمية التي تحكم البث خلال مرحلة انتخابية شديدة الحساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *