انتقل برنامج تحديث وتوسعة عدد من المطارات المغربية إلى مرحلة جديدة، بعد توقيع المغرب ومجموعة البنك الإفريقي للتنمية اتفاقية تمويل بقيمة 270 مليون أورو لفائدة المكتب الوطني للمطارات، في إطار برنامج توسيع وتحديث البنيات التحتية للمطارات، الذي يستهدف أربع منصات مطارية هي مراكش وأكادير وطنجة وفاس، لمواكبة النمو المتوقع في حركة النقل الجوي إلى أفق 2030.
تمويل هذا الاتفاق سيكون في شكل قرض ممنوح للمكتب الوطني للمطارات، مع ضمان من الشركة الوطنية للضمان وتمويل المقاولة، ووقع الاتفاق، الثلاثاء 29 شتنبر بمدينة الدار البيضاء، بحضور وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح ورئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية سيدي ولد طاه، فيما وقع الاتفاق عن الجانب المغربي المدير العام للمكتب الوطني للمطارات عادل الفقير، وعن البنك المسؤول عن مكتبه بالمغرب أشرف ترسيم.
وبالنظر إلى طبيعة المشاريع التي يشملها البرنامج فإن أهميته تتجاوز قيمة القرض نفسه. فبحسب المعطيات الرسمية، يتضمن البرنامج توسعة وتجديد المحطات الجوية، وتهيئة مناطق وقوف الطائرات وممرات حركتها، إلى جانب تحديث تجهيزات السلامة والأمن المطاري وأنظمة معالجة الأمتعة، فيما يشمل مشروع مراكش بناء برج جديد للمراقبة الجوية.
ويأتي مطار أكادير المسيرة ضمن المحاور الرئيسية لهذا البرنامج، في وقت أصبحت فيه المنصة الجوية للجهة تواجه نموا متسارعا في حركة المسافرين. وكان المطار قد تجاوز عتبة ثلاثة ملايين مسافر خلال سنة 2024، بعدما سجل خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من السنة أكثر من 2.8 مليون مسافر، بزيادة بلغت نحو 36 في المائة، ما عزز موقعه كواحد من أهم المطارات المغربية من حيث الحركة الجوية.
وتكشف وثائق البنك الإفريقي للتنمية أن البرنامج يستهدف، في أفق 2030، رفع القدرة الاستيعابية السنوية للمطارات الأربعة إلى 14 مليون مسافر بمراكش، وخمسة ملايين بأكادير، و3.6 ملايين بطنجة، وثلاثة ملايين بفاس. وبذلك يرتفع السقف المستهدف لأكادير إلى مستوى يتجاوز بكثير الطاقة الحالية المعلنة للمطار، في سياق نمو الطلب السياحي والجوي والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى التي سيشهدها المغرب.
ويكتسي الرقم الخاص بأكادير أهمية خاصة بالنظر إلى الفجوة بين النمو الفعلي لحركة المسافرين وقدرة البنية الحالية على استيعاب هذا النمو. فالمعطيات المنشورة من طرف المكتب الوطني للمطارات تضع الطاقة الحالية للمحطة في حدود ثلاثة ملايين مسافر سنويا، بينما تشير وثائق البرنامج الجديد إلى هدف خمسة ملايين مسافر في أفق 2030، بما يعني أن الرهان لا يقتصر على تحسين ظروف استقبال المسافرين، بل يمتد إلى رفع القدرة التشغيلية للمنصة ومواكبة توسع الربط الجوي للجهة.
ويرتبط هذا التوسع أيضا بموقع أكادير داخل منظومة السياحة المغربية. فالمطار يشكل بوابة جوية رئيسية نحو سوس ماسة، ويخدم واحدة من أبرز الوجهات السياحية الوطنية، ما يجعل تطور قدرته الاستيعابية مرتبطا مباشرة بقدرة المدينة والجهة على استيعاب مزيد من التدفقات السياحية، وتوسيع شبكة الرحلات، وتعزيز الربط مع الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، قال رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية سيدي ولد طاه: “إن القرض الممنوح للمكتب الوطني للمطارات يواكب طموح المملكة لتحديث وتعزيز قدراتها في مجال المطارات، خصوصا في الأقطاب الاستراتيجية بمراكش وأكادير وفاس وطنجة”، معتبرا العملية “جزءا من استعداد المغرب للاستحقاقات الدولية الكبرى”.
من جهتها، أكدت نادية فتاح أهمية مواصلة الشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية في تمويل الإصلاحات والمشاريع الهيكلية، مشيرة إلى أن “المؤسسة المالية الإفريقية واكبت عددا من المشاريع الكبرى بالمغرب”، كما شددت على أهمية تطوير آليات تمويل جديدة ومبتكرة، بما في ذلك توظيف ضمان الشركة الوطنية للضمان وتمويل المقاولة في تمويل استثمارات المؤسسات العمومية.
وتضع هذه العملية مطار أكادير أمام مرحلة جديدة من التحول، بعدما انتقلت توسعته من مجرد حاجة مرتبطة بارتفاع حركة المسافرين إلى جزء من برنامج مطاري ممول ومؤطر على مستوى مؤسساتي، في إطار استراتيجية “مطارات 2030”. كما أن البرنامج لا يقتصر على البنية العمرانية للمحطات، بل يشمل التجهيزات المرتبطة بالأمن والسلامة ومعالجة الأمتعة وانسيابية حركة الطائرات والمسافرين، وهي عناصر أصبحت جزءا أساسيا من قدرة المطارات على استيعاب النمو.
وعلى المستوى الوطني، يأتي هذا الاستثمار في سياق تصاعد مستمر لحركة النقل الجوي. فقد سجلت مطارات المملكة 36.3 مليون مسافر خلال سنة 2025، بزيادة 11 في المائة مقارنة مع 2024، وهو مستوى قياسي دفع المكتب الوطني للمطارات إلى تسريع تنزيل استراتيجية “مطارات 2030″، القائمة على استباق نمو الطلب وتحديث البنيات وتحسين تجربة المسافر وتعزيز الربط الجوي.
وبالنسبة إلى أكادير، فإن الرهان خلال السنوات المقبلة سيكون في تحويل القدرة الاستيعابية الجديدة إلى حركة جوية فعلية، من خلال استقطاب مزيد من الخطوط والرحلات، ومواكبة توسع القطاع السياحي، وربط الاستثمار في البنية التحتية بقدرة المنظومة الاقتصادية للجهة على الاستفادة من التدفقات الجديدة. أما أفق 2030، فلا يتعلق فقط باستقبال عدد أكبر من المسافرين، بل باختبار قدرة المطار على أداء دور أكبر داخل شبكة النقل الجوي الوطنية والإقليمية.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
