تصاعدت أعمدة الدخان من مطرح النفايات العمومي بمنطقة أولاد برجال بالقنيطرة الأسبوع الماضي منذ الجمعة 11 شتنبر، لتغطي أجزاء من سماء المدينة وتثير شكايات وقلق عدد من السكان بسبب الروائح القوية وانبعاثات الدخان. وبينما انصبت الجهود الأولى على تطويق النيران وإخماد البؤر المشتعلة، أخذ الحادث يتحول تدريجيا إلى قضية تتجاوز الحريق نفسه، لتعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول تدبير النفايات، وضعية المطرح، مراقبة المرفق، وحجم المخاطر البيئية والصحية المرتبطة به.
وأعلنت جماعة القنيطرة، في بلاغ للرأي العام، أن حريقا اندلع بالمطرح يوم 11 شتنبر، وأن المصالح المختصة فتحت تحقيقا تحت إشراف النيابة العامة لتحديد أسبابه. كما أوضحت أن عملية التدخل تمت بتنسيق مع السلطات الإقليمية، وأن 31 آلية تمت تعبئتها، بينها 16 آلية وفرتها الشركة المكلفة بتدبير المطرح و15 آلية عبأتها السلطة الإقليمية، فيما استمرت عمليات التدخل لإخماد ما تبقى من البؤر.
وفي تفسير أولي لأسباب الحريق، تحدث البلاغ الإقليمي عن ممارسات وصفها بغير المسؤولة من طرف أشخاص ينشطون في البحث داخل النفايات، في سياق تزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح شمالية شرقية. وفي المقابل، لم تستبعد رئيسة جماعة القنيطرة، أمينة حروزة، فرضية أن يكون الحريق “مفتعلا”، وربطت ذلك، في تصريح صحفي، بالظرفية السياسية السابقة لاقتراع 23 شتنبر، مؤكدة في الوقت نفسه أن النيابة العامة فتحت تحقيقا في الواقعة.
وبين الروايتين، يبقى التحقيق القضائي هو الإطار الذي يفترض أن يحسم في أسباب الحريق والمسؤوليات المحتملة. ومع استمرار تداعيات الحريق لعدة أيام، وتعبئة وسائل مهمة للسيطرة عليه، تظل أسبابه النهائية موضوع بحث.
لكن الحريق فتح في الوقت نفسه سؤالا أوسع يتعلق بطبيعة المرفق نفسه. فالقانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها يضع إطارا قانونيا لتدبير المطارح ومعالجة النفايات، فيما يسند القانون التنظيمي رقم 113.14 للجماعات اختصاصا ذاتيا يتعلق بخدمات القرب، ومن بينها جمع النفايات المنزلية ونقلها إلى المطرح. وهذا يجعل تدبير المرفق جزءا من المسؤولية العمومية اليومية، سواء تولت الجماعة الخدمة بشكل مباشر أو عهدت بتدبيرها إلى شركة.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن الجماعة أعلنت، بالتوازي مع التدخل لإخماد الحريق، عن مشروع لإعادة تأهيل المطرح الحالي وإغلاقه، بكلفة تقدر بنحو 30 مليون درهم، إلى جانب استكمال الإجراءات المرتبطة بإنجاز مركز جديد لتثمين النفايات وطمرها. وقالت رئيسة الجماعة إن الدراسات المتعلقة بالمشروع انتهت، وإن اقتناء العقار تم، فيما يجري إعداد دفتر الشروط والتحملات تمهيدا لإخراج المشروع إلى مرحلة الإنجاز.

غير أن ملف المال العام يفرض بدوره أسئلة لا تقل أهمية عن أسباب الحريق. فقد طالب حزب العدالة والتنمية بالقنيطرة بفتح تحقيق إداري وتقني ومالي في ظروف تدبير مطرح أولاد برجال، وأثار في بيانه مسألة وضعية المطرح بعد عمليات تأهيل وتجهيز سابقة قال إنها كلفت نحو 14 مليون درهم. وهذه المعطيات تبقى، في إطار الإنصاف المهني، موقفا صادرا عن جهة سياسية محلية، ويحتاج ما ورد فيه من أرقام أو ملاحظات إلى الرجوع إلى الوثائق التعاقدية والمالية الرسمية لتحديد طبيعة الأشغال السابقة وحجم النفقات ونتائجها.
أما البعد الصحي والبيئي، فقد تحول إلى جزء أساسي من القضية. فقد أفادت تقارير صحفية، اليوم الخميس 17 شتنبر، باستمرار المخاوف لدى السكان، وتنظيم وقفة أمام مقر المجلس الجماعي احتجاجا على الدخان والروائح المنبعثة من المطرح، بينما أفادت مصادر للبوصلة باستمرار المخاوف بشأن التداعيات الصحية والبيئية للحريق وتجدد الدعوات إلى تدبير سليم للنفايات. ومع ذلك، فإن تحديد الضرر الصحي الفعلي يتطلب معطيات علمية رسمية، خصوصا نتائج قياسات جودة الهواء والانبعاثات وتقييم الجهات الصحية المختصة، وهي معطيات لم تظهر بصورة شاملة في المصادر التي أمكن التحقق منها إلى حدود 17 شتنبر.
وهنا تبرز مسألة أساسية تتعلق بالحق في المعلومة. فالسكان لا يحتاجون فقط إلى معرفة أن الحريق تحت السيطرة أو أن الآليات تواصل عملها، بل يحتاجون أيضا إلى معرفة ما إذا كانت جودة الهواء قد جرى قياسها، وما هي نتائج القياسات، وما الإجراءات الوقائية المتخذة عند الضرورة، وما هو الوضع التقني للمطرح، ومن يراقب شروط استغلاله، وما هي المراحل الزمنية الفعلية لإغلاقه ونقل الخدمة إلى المنشأة الجديدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحديد المسؤوليات داخل منظومة التدبير. فوجود شركة مفوض إليها تدبير المرفق لا يلغي الحاجة إلى مراقبة احترام شروط العقد ودفتر التحملات، كما أن مسؤولية الجماعة عن المرفق لا تعني بالضرورة تحميلها مسبقا مسؤولية الحريق نفسه. فالمسؤوليات متفاوتة بين: تحديد سبب الحريق، وضمان حسن تدبير المرفق والرقابة عليه، ومسؤولية الأضرار التي يمكن أن تثبتها التحقيقات أو الخبرات.
ومن هذه الزاوية، فإن حادث أولاد برجال لا ينبغي أن ينتهي بمجرد إخماد آخر بؤرة للنيران. فالسلطات أعلنت عن إعادة تأهيل المطرح الحالي وإغلاقه، وعن تسريع مشروع المركز الجديد، والقانون نفسه يجعل من مراقبة المطارح وتأهيلها جزءا من منظومة تدبير النفايات. لذلك سيكون من المشروع التساؤل حول الآجال والكلفة ومراحل الإنجاز وآليات المراقبة خلال الفترة الانتقالية. في حين يبقى تحديد المسؤولية السياسية أو الجنائية من اختصاص المؤسسات المعنية، ولا سيما التحقيق القضائي المفتوح.
حريق أولاد برجال أظهر أن ملف النفايات لا يمكن اختزاله في الشاحنات التي تنقلها أو الجرافات التي تطمرها. إنه مرفق عمومي يرتبط بالبيئة والصحة والمال العام وجودة الحياة، وتظل فعاليته مرتبطة بسلامة البنية التقنية، وحسن المراقبة، والشفافية في التدبير، ووجود بديل مستدام. لذلك قد يكون السؤال الأهم بعد انقشاع الدخان هو كيف نضمن ألا يعود المطرح نفسه إلى إشعال القضية من جديد؟

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
