شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

العودة إلى “GMT”.. ساعة جديدة تعيد ضبط المدرسة والعمل وحياة الأسر

الساعة

ابتداء من الساعة الثانية صباحا من يوم الأحد 20 شتنبر 2026، يعود المغرب رسميا إلى الساعة القانونية المحددة وفق توقيت غرينيتش “GMT”، بعد سنوات من اعتماد التوقيت الإضافي “GMT+1”. وينص المرسوم رقم 2.26.530 على تأخير الساعة بستين دقيقة، مع نسخ المرسوم رقم 2.18.855 الصادر سنة 2018، الذي أقر إضافة ساعة إلى التوقيت القانوني للمملكة بشكل مستمر. وكانت الحكومة قد وصفت القرار عند المصادقة عليه بأنه عودة رسمية ونهائية إلى التوقيت القانوني، وربطته بالتطلعات والمطالب التي عبر عنها المواطنون وبالآثار الاقتصادية والاجتماعية المسجلة خلال العمل بالنظام السابق.

وبذلك، لا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد تعديل تقني في عقارب الساعة، بل بنهاية مرحلة طويلة من الجدل حول علاقة التوقيت الرسمي بإيقاع الحياة اليومية. فقد قال رئيس الحكومة عزيز أخنوش، عقب المصادقة على المرسوم، إن القرار يأتي في إطار “التجاوب الإيجابي مع الانتظارات المعبر عنها”، فيما أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس أن العودة إلى الساعة القانونية “قرار نهائي”، موضحا أن تطبيقها سيبدأ فجر 20 شتنبر بتأخير الساعة ستين دقيقة.

لكن ما سيبدأ مع فجر الأحد لن يتوقف عند تغيير الوقت الظاهر على الهواتف والساعات. فالساعة الرسمية تضبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جانبا من إيقاع المدرسة والعمل والنقل والخدمات، وتفرض على الأسر إعادة ترتيب تفاصيل يومية تبدأ من لحظة الاستيقاظ ولا تنتهي عند العودة إلى المنزل.

وفي قطاع التعليم، حسمت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة جانبا أساسيا من هذه المعادلة، بعدما وجهت في 9 شتنبر مذكرة تنظيمية دعت فيها إلى اعتماد الساعة الثامنة صباحا موعدا لانطلاق الحصص الدراسية بمختلف المؤسسات التعليمية ابتداء من 20 شتنبر، مع تدبير الزمن المدرسي بما ينسجم مع الساعة القانونية الجديدة، ومراعاة الخصوصيات المحلية، خصوصا في الوسط القروي.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المنظومة التعليمية المعنية بالقرار. فالموسم الدراسي 2026-2027 يستقبل أكثر من 8.234 ملايين تلميذة وتلميذ، من بينهم نحو 7 ملايين في التعليم العمومي، يؤطرهم 313 ألفا و975 أستاذا وأستاذة داخل 12 ألفا و661 مؤسسة تعليمية، يوجد 7015 منها في الوسط القروي، أي 55.4 في المائة من مجموع المؤسسات. كما يلتحق أكثر من 533 ألف تلميذ بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي العمومي.

هذه الأرقام تجعل سؤال التوقيت سؤالا اجتماعيا بامتياز. فالأسرة التي يسكن أبناؤها قرب المدرسة ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه أسرة يقطع أطفالها مسافات طويلة يوميا، كما أن المؤسسة الموجودة في حي حضري قريب من وسائل النقل تختلف عن مؤسسة قروية يرتبط الوصول إليها بالنقل المدرسي أو بوسائل محدودة. لذلك فإن عبارة “الخصوصيات المحلية” الواردة في التوجيه الوزاري ليست تفصيلا ثانويا، بل تعكس حقيقة أن الساعة الموحدة للدولة لا تنتج بالضرورة الإيقاع نفسه في جميع المناطق.

صورة تعبيرية (3)

وتزداد المسألة تعقيدا داخل الأسر التي يعمل فيها الأب والأم وفق مواقيت مختلفة. فالعودة إلى “GMT” تعني بالنسبة إلى كثير من العائلات إعادة ترتيب دقائق الصباح: موعد الاستيقاظ، إعداد الأطفال، الإفطار، الخروج إلى المدرسة، الوصول إلى مقر العمل، ثم حساب زمن العودة والنقل والحضانة. وفي بعض الحالات، قد يكون الفارق بين السابعة والثامنة على الساعة فارقا بين صباح منظم وصباح يبدأ تحت ضغط التنقل والانتظار.

ومن الزاوية الصحية، يرى الطبيب والباحث في السياسات والأنظمة الصحية الطيب حمضي أن اعتماد التوقيت القانوني المستقر أكثر انسجاما مع الإيقاع البيولوجي للإنسان، باعتبار أن التوقيت الذي يقترب من التوقيت الشمسي يوفر تعرضا أكبر لضوء الصباح، الذي يلعب دورا أساسيا في ضبط الساعة البيولوجية. ويحذر حمضي من أن عدم الانسجام بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي قد يرتبط بصعوبات الاستيقاظ والإرهاق وضعف التركيز، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين، مع تأثيرات محتملة أيضا على العمال والسائقين والفلاحين.

لكن هذا الرأي الطبي لا يلغي وجود اعتبارات اقتصادية ومهنية أخرى. فقد حذر حسن صاخي، رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، من أن تغيير التوقيت قد تكون له آثار سلبية على بعض القطاعات المرتبطة بالأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها مراكز النداء، معتبرا أن هذه القطاعات ستحتاج إلى تعديل ساعات عملها لمواجهة فارق التوقيت الجديد. كما أشار إلى أن التوقيت الموحد مع عدد من الشركاء الأوروبيين كان يمنح بعض الشركات المغربية ميزة في التنسيق اليومي.

في المقابل، يرى الطيب لهزاز، الخبير في الأمن السيبراني والتجارة الإلكترونية، أن انعكاسات القرار على الاقتصاد الرقمي تظل، في نظره، محدودة، لأن التوقيت عامل تنظيمي أكثر منه عاملا حاسما في مستقبل التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية. ويعتبر أن اعتماد توقيت ثابت على مدار السنة يمكن أن يمنح بعض الأنظمة الرقمية مزيدا من الاستقرار، فيما يظل نجاح الاقتصاد الرقمي مرتبطا أساسا بالبنية التحتية واللوجستيك والثقة الرقمية وحماية المعطيات، وليس بفارق ساعة واحدة فقط.

أما الحجة المرتبطة بترشيد استهلاك الطاقة، التي شكلت أحد عناصر النقاش حول “GMT+1″، فقد دخلت بدورها مرحلة مراجعة. ففي جلسة برلمانية يوم 13 أبريل 2026، قالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي إن الدراسة المتعلقة بآثار الساعة الإضافية تحتاج إلى تحيين، بسبب تعقد آثار التوقيت وتغير سلوك المواطنين والمستهلكين والفاعلين الاقتصاديين. وأضافت أن المعطيات الأولية تشير إلى أن اعتماد الساعة الإضافية في فصل الشتاء لا يحقق المكاسب نفسها المسجلة صيفا، ولا يظهر تخفيضا ملموسا وفعليا في استهلاك الطاقة، في انتظار تحيين الدراسة.

وهذا المعطى يغير جانبا من طبيعة النقاش. فالعودة إلى “GMT” لا تعني أن الدولة حسمت علميا جميع آثار نظام التوقيت السابق في كل المجالات، وإنما تعني أن الحكومة اتخذت قرارا سياسيا وتنظيميا نهائيا بعد سنوات من الجدل، فيما لا يزال قياس بعض الآثار الاقتصادية والطاقة والاجتماعية يحتاج إلى معطيات أكثر دقة.

ومن هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الجدل النظري إلى التقييم العملي. فبدلا من الاكتفاء بانطباعات المواطنين، يمكن قياس أثر القرار من خلال مؤشرات ملموسة: معدلات التأخر والغياب المدرسي، انتظام النقل المدرسي، الحوادث المسجلة خلال الساعات الأولى من الصباح، استهلاك الكهرباء، تطور ساعات العمل في بعض القطاعات المرتبطة بالخارج، ومدى رضا الأسر عن تنظيم اليوم الدراسي والمهني.

كما أن تجربة الأشهر الأولى بعد 20 شتنبر ستكون مهمة بالنسبة للمناطق القروية على وجه الخصوص، حيث لا يكفي تغيير الساعة على الورق إذا لم تتزامن معه وسائل نقل ملائمة واستعمالات زمن مرنة تراعي المسافات وظروف التمدرس. والمذكرة الوزارية نفسها تضع على المؤسسات مسؤولية مراعاة الخصوصيات المحلية، بما يعني أن نجاح القرار سيتوقف أيضا على كيفية تنزيله على الأرض.

بعد سنوات من العمل بالتوقيت الإضافي، يدخل المغرب إذن مرحلة جديدة سيكون فيها التحدي أقل ارتباطا بعقارب الساعة وأكثر ارتباطا بكيفية تنظيم الزمن العام. فالدولة تملك ساعة رسمية واحدة، لكن المجتمع يضم مدارس ومقاولات وإدارات وأسر ووسائل نقل وأسواقا تعمل وفق ساعات مختلفة وتحتاج إلى قدر من التنسيق والمرونة.

فالزمن بالنسبة إلى الأسرة ليس رقما على شاشة الهاتف، وإنما ساعة نوم، وطريق إلى المدرسة، وموعد حافلة، وبداية يوم عمل، ووقت للرعاية والعودة إلى المنزل. ولذلك فإن نجاح العودة إلى الساعة القانونية لن يقاس فقط بقدرة الجميع على تأخير ساعاتهم بستين دقيقة، بل بمدى قدرة المؤسسات على جعل هذا التغيير منسجما مع إيقاع حياة الناس.

وفي النهاية، قد يكون الامتحان الحقيقي لقرار 20 شتنبر هو ما سيحدث بعده، لا ما سيحدث عند لحظة تغيير الساعة. فالمطلوب ليس فقط أن تتطابق عقارب الساعة مع توقيت غرينيتش، وإنما أن يقترب توقيت الدولة من إيقاع المجتمع، وأن تتحول العودة إلى “GMT” من قرار في الجريدة الرسمية إلى تنظيم أكثر قابلية للعيش في البيت والمدرسة ومكان العمل والشارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *