أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 وصول 107 نساء إلى مجلس النواب، من أصل 395 مقعدا، في أعلى حصيلة للتمثيلية النسائية منذ بدء اعتماد الآليات الحديثة لتعزيز حضور النساء في المؤسسة التشريعية. وتمثل النائبات بذلك نحو 27.1 في المائة من مجموع أعضاء المجلس، بعدما كانت النسبة قد بلغت 24.3 في المائة سنة 2021 و20.5 في المائة سنة 2016.
لكن الرقم الإجمالي يخفي تحولا أكثر دلالة في طريقة وصول النساء إلى البرلمان. فمن أصل 107 نائبات، جاءت 90 عبر الدوائر الانتخابية الجهوية المخصصة حصريا للنساء في انتخابات 2026، بينما تمكنت 17 وكيلة لائحة محلية من الفوز بمقاعد عن الدوائر المحلية التي يتنافس فيها الرجال والنساء معا. وبذلك تكون حصة النساء من المقاعد المحلية قد بلغت نحو 5.6 في المائة من أصل 305 مقاعد محلية.
وتكتسب هذه الـ17 مقعدا أهميتها عند مقارنتها بالولايات السابقة. ففي انتخابات 2021 فازت ست نساء فقط عبر الدوائر المحلية، مقابل 90 امرأة عبر الدوائر الجهوية، ليصل العدد الإجمالي إلى 96 نائبة. أما في انتخابات 2016، فقد بلغ عدد النائبات 81، من بينهن 10 فزن عبر الدوائر المحلية، فيما تعود أولى مراحل اعتماد التمثيلية النسائية الواسعة إلى انتخابات 2011 التي أفرزت 67 نائبة.

وتظهر السلسلة الزمنية أن عدد النساء داخل مجلس النواب ارتفع بـ26 مقعدا بين 2007 و2026، أي بأكثر من الثلث، فيما انتقلت حصتهن من أقل من 9 في المائة إلى أكثر من 27 في المائة. غير أن الجزء الأكثر لفتا في نتائج 2026 لا يتمثل في زيادة المقاعد الجهوية، التي ظلت في حدود 90 مقعدا، وإنما في ارتفاع عدد النساء اللواتي وصلن إلى البرلمان عن طريق الدوائر المحلية من ست في 2021 إلى 17 في 2026، بزيادة 11 مقعدا، أي بنحو 183 في المائة.
وتزامن هذا التطور مع ارتفاع واضح في حجم الترشيحات النسائية. فقد سجلت الانتخابات الحالية 2658 ترشيحا نسائيا، بما يقارب 36.5 في المائة من مجموع الترشيحات، من بينها 1783 مترشحة في الدوائر الجهوية و875 مترشحة في الدوائر المحلية. كما قادت النساء 121 لائحة محلية من أصل 1615، أي نحو 7.5 في المائة من مجموع اللوائح المحلية، بينما تمثل النساء 46 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية.
وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع عدد المترشحات لم يقتصر على الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، بل امتد أيضا، وإن بدرجة أقل، إلى ميدان المنافسة المحلية المباشرة. ومع ذلك، فإن وصول 17 امرأة فقط من أصل 305 مقاعد محلية، مقابل قيادة النساء لـ121 لائحة محلية، يكشف الفرق بين الحضور في قوائم الترشيح وبين تحويل هذا الحضور إلى مقاعد انتخابية فعلية.
وكان النظام الانتخابي الجديد قد أقر تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا للنساء، في محاولة لتعزيز تمثيليتهن داخل مجلس النواب وحماية هذه المقاعد أيضا في حالات الانتخابات الجزئية والتعويض. وبذلك، فإن الـ90 مقعدا الجهويا تشكل آلية مؤسساتية ثابتة لتعزيز حضور النساء، في حين تظل الدوائر المحلية المجال الذي تظهر فيه قدرة المرشحات على المنافسة الانتخابية المباشرة وفق قواعد واحدة مع المرشحين الرجال.
وقبل إجراء الاقتراع، كانت منظمات نسائية وحقوقية قد ركزت على هذه النقطة تحديدا. فقد نبه “منتدى الزهراء للمرأة المغربية” في ملاحظاته الأولية إلى استمرار محدودية حضور النساء في اللوائح المحلية رغم ارتفاع عدد الترشيحات النسائية، وربط ذلك بأسئلة حول فرص الوصول إلى المؤسسات المنتخبة خارج الآليات المخصصة لتعزيز التمثيلية، كما سجل أشكالا من العنف الرمزي والتشهير واستهداف بعض المترشحات، خصوصا في الفضاء الرقمي.
وفي السياق نفسه، شدد ائتلافان نسائيان وحقوقيان في موقف سابق على أن قياس المشاركة السياسية للنساء لا ينبغي أن يقتصر على عدد المرشحات، بل يشمل موقعهن داخل اللوائح، وفرص فوزهن، وحجم الدعم السياسي والتنظيمي والمادي المتاح لهن، إضافة إلى إمكانية وصولهن إلى مواقع القيادة وصنع القرار.
وبهذه القراءة، تبدو انتخابات 2026 حاملة لرقمين متوازيين: الأول يتمثل في بلوغ عدد النائبات 107، وهو أعلى رقم تسجله المؤسسة التشريعية إلى حدود اليوم، والثاني يتمثل في صعود عدد النساء الفائزات من الدوائر المحلية إلى 17، مقارنة بست فقط قبل خمس سنوات. وبين الرقمين يظهر تحول تدريجي في طبيعة الحضور النسائي داخل البرلمان، لكنه يترك في الوقت نفسه مساحة واسعة للنقاش حول مدى انتقال المشاركة النسائية من آليات الدعم المؤسساتي إلى المنافسة المحلية المباشرة، وحول موقع النساء داخل الأحزاب وفي مواقع القيادة والدوائر القابلة للفوز.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
