الجمعة 6 نونبر 2026
البوصلة الآن
اتحاد طنجة لكرة اليد يراهن على تثبيت أقدامه بالقسم الممتاز واستعادة بريقه

من شوارع الدار البيضاء إلى دواوير الأطلس.. الأمطار تعيد ملف البنية التحتية والعدالة المجالية إلى الواجهة

من شوارع الدار البيضاء إلى دواوير الأطلس.. الأمطار تعيد ملف البنية التحتية والعدالة المجالية إلى الواجهة

أعادت التساقطات المطرية التي شهدتها مناطق من الدار البيضاء، الأحد 11 أكتوبر، النقاش حول جاهزية البنية التحتية وقدرة شبكات تصريف المياه على مواجهة التقلبات الجوية. فقد غمرت المياه عددا من الشوارع والأزقة، وسط شكاوى من اختلالات في قنوات الصرف الصحي، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤال صيانة التجهيزات العمومية وفعالية الاستعدادات السابقة لموسم الأمطار.

وصرح نشطاء مدنيون أن “شبكات تصريف المياه غير قادرة على استيعاب التساقطات”، معتبرين أن عددا من الأحياء، خصوصا الشعبية، تعاني من تدهور البنية التحتية. وفي المقابل، نقلت مصادر للبوصلة، أن تدبير هذا الملف يقع ضمن مسؤولية الشركة الجهوية متعددة الخدمات المكلفة بالتوزيع، بينما أفادت بأنها لم تتمكن من الحصول على رد من مسؤولي الشركة عند إعداد تقريرها. ويبرز هذا التباين أهمية توضيح الاختصاصات والمسؤوليات، حتى لا يتحول تدبير الأزمات إلى تبادل للاتهامات بين المتدخلين.

لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند أحياء المدن الكبرى. فالأمطار التي تتسبب في تجمع المياه داخل شارع حضري قد تتحول، في مناطق جبلية وقروية، إلى عامل يعزل دواوير عن محيطها، أو يقطع طريقا نحو المستشفى أو المدرسة، أو يعطل وصول سيارات الإسعاف والإمدادات الأساسية. وتبرز هذه المخاطر في مناطق الأطلس الكبير والأطلس الصغير، وأقاليم مثل تارودانت وطاطا وورزازات، حيث تتداخل وعورة التضاريس وتباعد التجمعات السكانية مع تحديات النقل والصيانة والاستجابة للحالات الاستعجالية.

وتقدم فيضانات طاطا خلال 20 و21 شتنبر 2024 مثالا موثقا على هذه الهشاشة. فقد أفاد الموقع الرسمي لجماعة طاطا بأن التساقطات الغزيرة والسيول تسببت في أضرار جزئية وكلية في بعض المنشآت الفنية، واستدعت تعبئة الإمكانات المتاحة لإعادة فتح الطرق وضمان الربط بين ضفتي المدينة. كما أشار البلاغ إلى خسائر بشرية مرتبطة بانجراف حافلة بوادي تغرمت. وتكشف الواقعة أن تدبير مخاطر الأمطار لا يتعلق فقط بتصريف المياه، بل أيضا بقدرة الطرق والقناطر والمنشآت على الصمود واستعادة وظيفتها بسرعة بعد الكوارث.

وتؤكد المعطيات الاجتماعية استمرار الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، رغم ما تحقق من تراجع للفقر خلال السنوات الماضية. ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط المنشورة في ماي 2025، استقر معدل الفقر متعدد الأبعاد في الوسط القروي عند 13.1 في المائة سنة 2024، مقابل 3 في المائة في الوسط الحضري. كما كان نحو 72 في المائة من مجموع الأشخاص الذين يعيشون في وضعية فقر متعدد الأبعاد يقيمون بالعالم القروي.

ومن جهته، سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2024-2025، أن نحو 71 في المائة من الاعتمادات الأولية لبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية خُصصت لبناء الطرق والمسالك وتهيئتها، بما يعادل 35.4 مليار درهم، مقابل 6 مليارات درهم للربط بالماء الصالح للشرب، و5 مليارات للتعليم، وملياري درهم للكهرباء، و1.4 مليار درهم للصحة. وأشارت الجهات الحكومية، في معرض تفسيرها لهذا التوزيع، إلى الحاجة الملحة لفك العزلة عن الدواوير وربطها بالخدمات والأسواق. غير أن المجلس سجل أيضا تفاوتا بين الالتزامات المالية والأداء الفعلي، إذ بلغت النفقات المسجلة إلى نهاية يونيو 2025 نحو 38.36 مليار درهم، أي ما يعادل 84 في المائة من مجموع الالتزامات.

وفي ما يتعلق بالمشاريع، أورد التقرير نفسه أن 9,026 مشروعا من أصل 10,939 مشروعا مبرمجا أُنجزت إلى نهاية يونيو 2025، فيما ظلت 1,289 مشروعا قيد الإنجاز و624 مشروعا لم تنطلق فعليا. وتعكس هذه الأرقام حصيلة مهمة من جهة، كما تبرز من جهة أخرى أن الإعلان عن البرامج وتخصيص الأموال لا يكفيان وحدهما لضمان وصول الخدمات إلى السكان في الوقت والجودة المطلوبين. وتظل سرعة الإنجاز، وجودة الأشغال، والصيانة الدورية، وتحديد أولويات المناطق الأكثر عزلة عناصر أساسية عند تقييم الأثر الحقيقي لهذه البرامج.

وتقتضي المقاربة العملية التعامل مع البنية التحتية باعتبارها منظومة مترابطة، لا مجرد طرق معبدة ومشاريع معلنة. ففي القرى الجبلية والمناطق النائية، ينبغي أن تشمل الأولويات صيانة المسالك والقناطر قبل موسم الأمطار، وتحسين تصريف المياه وحماية الطرق من الانجراف، وضمان الوصول إلى المراكز الصحية وتشغيل سيارات الإسعاف وتجهيزها، فضلا عن استمرار الماء والكهرباء وخدمات التعليم. كما يقتضي تقييم المشاريع نشر معطيات واضحة عن نسب الإنجاز وآجال الصيانة والمناطق المستفيدة، حتى تتمكن الساكنة من معرفة ما تحقق وما لا يزال ينتظر التنفيذ.

ومن ثم، فإن ما شهدته الدار البيضاء لا يثبت وحده وجود الخلل نفسه في كل قرية أو منطقة جبلية، لكنه يفتح مجالا مناسبا لمساءلة السياسات العمومية بشأن الوقاية والاستعداد والصيانة والإنصاف في توزيع التجهيزات. فالمعيار ليس عدد المشاريع المنجزة فقط، بل مدى قدرة البنية التحتية على حماية السكان وضمان استمرار الخدمات الأساسية عندما تختبرها الأمطار والسيول والظروف الطارئة.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

صورة الكاتب أمين طاهر

أمين طاهر

رئيس التحرير

أمين طاهر، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.

"الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة"

كل مقالات أمين طاهر ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب