الأغلبية الرباعية في المغرب.. اختبارها الحقيقي يبدأ عند أول قرار صعب
رأي | البوصلة
لم يكن إعلان فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، مجرد نهاية لجولتين من المشاورات السياسية، بل بداية لامتحان أكثر تعقيدا يتعلق بقدرة هذا التحالف على الانتقال من التوافق على اقتسام السلطة إلى الاتفاق على كيفية ممارستها.
فالأغلبية التي تجمع 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، وتتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا بتسعة مقاعد فقط، تمتلك ما يكفي من الناحية العددية لتأمين قاعدة التنصيب، لكنها لا تملك، بمجرد جمع مقاعد مكوناتها، شهادة مسبقة على الانسجام أو الفعالية. فالسياسة ليست حسابا للأصوات وحدها، والحكومات لا تقاس فقط بما تمتلكه من دعم داخل المؤسسات، بل أيضا بما تستطيع تحقيقه في حياة المواطنين.
هنا تبدأ المفارقة الأولى. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بـ97 مقعدا، لكنه لم يتمكن من تشكيل أغلبية منفردة، ما فرض عليه البحث عن ثلاثة شركاء إضافيين. وتكشف هذه النتيجة عن الفرق بين الفوز الانتخابي والقدرة على الحكم؛ فصدارة النتائج تمنح الحزب موقع المبادرة في تشكيل الحكومة، لكنها لا تعفيه من التفاوض والتنازل والتوفيق بين مصالح شركائه.
والأهم أن التحالف الجديد لا يمثل قطيعة كاملة مع المرحلة السابقة، بقدر ما يعيد ترتيب موازين القوة داخل الحقل الحزبي. فالأصالة والمعاصرة والاستقلال كانا جزءا من الأغلبية المنتهية ولايتها، فيما ينتقل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية من المعارضة إلى المشاركة الحكومية. وبذلك، لا يتغير موقع قيادة الأغلبية فقط، بل تتغير أيضا طبيعة التوازنات التي ستؤطر القرار الحكومي، خصوصا بعد خروج التجمع الوطني للأحرار من التركيبة المعلنة، رغم احتفاظه بـ66 مقعدا برلمانيا.

ويكتسي حضور أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في أغلبية واحدة دلالة تاريخية بدوره، باعتبارها من مكونات الكتلة الديمقراطية التي اضطلعت بأدوار بارزة في الحياة السياسية المغربية، وصولا إلى تجربة التناوب التوافقي بقيادة الراحل عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998. غير أن استحضار هذا الإرث لا يعني أن المغرب أمام نسخة جديدة من تلك التجربة؛ فالسياق السياسي مختلف، وموازين القوى تغيرت، كما أن قيادة التحالف الجديد تعود إلى حزب الأصالة والمعاصرة، لا إلى أحد الأحزاب الثلاثة.
لذلك، فإن القيمة السياسية لهذا التقارب لن تتحدد بمجرد اجتماع هذه الأحزاب داخل الحكومة، وإنما بما إذا كان إرثها السياسي سيترجم إلى التزامات واضحة بشأن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات وتكافؤ الفرص. فالتاريخ الحزبي يمكن أن يشكل رصيدا للتفاوض، لكنه لا يعوض غياب برنامج متماسك أو ضعف القدرة على تنفيذ السياسات العمومية.
ولعل ما يجعل الاختبار أكثر دقة هو أن قادة الأحزاب أنفسهم قدموا المشاركة الحكومية باعتبارها مسؤولية تتجاوز الحصول على المناصب. فقد شدد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، خلال التداول بشأن المشاركة، على أولوية المسألة الاجتماعية، مستحضرا ما وصفه بتدهور القدرة الشرائية رغم التدابير المتخذة على مدى السنوات الماضية. ومن جهته، أكد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، أن المشاركة ينبغي أن تفضي إلى تحويل الالتزامات الانتخابية إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
وهذان الموقفان يضعان الأغلبية الجديدة أمام سؤال جوهري: هل تستطيع الأحزاب الانتقال من لغة البرامج والوعود إلى قرارات قابلة للقياس، أم ستتراجع أولوياتها الاجتماعية والسياسية أمام إكراهات التدبير الحكومي والتفاوض حول مراكز النفوذ؟
فالتوافق على عناوين كبرى، من قبيل الدولة الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار، لا يعني بالضرورة الاتفاق على وسائل تحقيقها. وقد تتباين حسابات المكونات الأربعة بشأن الإنفاق العمومي، والإصلاحات المالية، ودور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، وحدود التوفيق بين متطلبات الاستثمار وحماية القدرة الشرائية. وستصبح هذه الاختلافات أكثر حساسية حين تنتقل المفاوضات من صياغة البرنامج الحكومي إلى تحديد الميزانيات والمسؤوليات والآجال.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى توزيع الحقائب الوزارية باعتباره تفصيلا بروتوكوليا في مسار تشكيل الحكومة. فهو اختبار مبكر لميزان القوة داخل التحالف. وستكون طبيعة القطاعات المسندة إلى كل حزب، ومدى ارتباطها بوعوده الانتخابية، ومقدار سلطته الفعلية في تنفيذ البرنامج، مؤشرات على ما إذا كان الاتفاق قائما على رؤية مشتركة أم على تسوية ظرفية بين مطالب متباينة.
كما أن ضيق الهامش البرلماني يضيف بعدا آخر إلى هذه المعادلة. فحزب التقدم والاشتراكية، الذي يملك 19 مقعدا، يبدو الأصغر داخل الأغلبية، لكن خروج مقاعده من التحالف سيخفض مجموع الأغلبية إلى 188 مقعدا، أي دون العتبة المطلوبة للتنصيب. وينطبق الأمر، بصورة أوضح، على الاتحاد الاشتراكي الذي يملك 26 مقعدا. ولا يعني هذا الحساب أن أيا من الحزبين يتجه إلى الانسحاب، لكنه يؤكد أن الوزن التفاوضي لا يتحدد دائما بعدد المقاعد؛ فقد تتحول الأحزاب الأصغر إلى أطراف حاسمة في استمرار الأغلبية متى غاب الانضباط أو تعثر التوافق بشأن القضايا الأساسية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال التحدي الحكومي في العلاقة بين قادة الأحزاب أو في هندسة التحالف داخل البرلمان. فهناك سؤال الشرعية السياسية بمعناها الأوسع، أي قدرة المؤسسات المنتخبة على الحفاظ على ثقة المواطنين وتوسيع المشاركة في الحياة العامة. وفي تحليل نشره مركز الجزيرة للدراسات قبل الإعلان النهائي عن الأغلبية، لفت الباحث عبد الرفيع زعنون إلى أن الانتخابات أعادت ترتيب الأوزان البرلمانية دون توسيع قاعدة المشاركة السياسية، مشيرا إلى تراجع نسبة المشاركة من 50.18 في المائة سنة 2021 إلى 38.02 في المائة سنة 2026، وفق الأرقام التي استند إليها في قراءته.
ولا يسمح هذا التراجع وحده بالجزم بأن العزوف كان احتجاجا سياسيا جماعيا، لكنه يضع أمام الحكومة المقبلة تحديا لا يمكن تجاوزه عبر الحسابات البرلمانية فقط. فالأغلبية تستطيع تأمين الأصوات اللازمة داخل مجلس النواب، لكنها لا تستطيع أن تفترض أن هذا الدعم يعادل تلقائيا رضا اجتماعيا واسعا. ولذلك، فإن تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والرفع من جودة التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية، ليست مجرد ملفات قطاعية، بل محددات أساسية لاستعادة الثقة في جدوى العمل السياسي.
ومن جهة أخرى، يتيح انتقال الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الحكومة فرصة لإعادة اختبار دور الأحزاب ذات الامتداد الاجتماعي واليساري داخل المؤسسات التنفيذية. غير أن هذه الفرصة قد تتحول إلى عبء سياسي إذا لم يلمس المواطنون أثرا لوجودهما في القرارات العمومية. فالمشاركة تمنح الحزب القدرة على التأثير، لكنها تحمله أيضا مسؤولية الدفاع عن الحصيلة، وتضعه أمام أسئلة أنصاره والناخبين بشأن ما استطاع تغييره وما اضطر إلى التنازل عنه.
وإذا كانت رئيسة الحكومة المعينة قد تحدثت، في إعلان الأغلبية، عن تشكيل حكومة سياسية قوية تستند إلى تقارب فكري وسياسي ورؤية إصلاحية مشتركة، فإن قوة هذه الحكومة لن تثبتها صياغة البلاغات ولا صور اجتماعات التوافق، بل قدرتها على بناء آليات فعالة للتنسيق بين مكوناتها، وتسوية الخلافات قبل تحولها إلى أزمات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعلان أهداف قابلة للتقييم ومواعيد واضحة لتنفيذها.
إن الاختبار الحقيقي للأغلبية الرباعية لا يبدأ يوم الاتفاق على تشكيلها، بل يوم تتعارض المصالح الحزبية مع مقتضيات القرار العمومي، ويوم يقتضي تنفيذ وعد انتخابي تخصيص موارد مالية أو اتخاذ قرار غير شعبي، ويوم يصبح على أحد مكوناتها الاختيار بين منطق المسؤولية الحكومية وحسابات التنافس السياسي.

في المحصلة، تمنح المقاعد الـ207 لفاطمة الزهراء المنصوري قاعدة برلمانية كافية لقيادة الحكومة المرتقبة، لكنها لا تمنحها، ولا تمنح شركاءها، حصانة من الخلاف أو الفشل. فقد تكون الأغلبية متماسكة في لحظة التأسيس، ثم تختبرها أولويات الميزانية وتوزيع المسؤوليات وتضارب الحسابات الحزبية. وقد تتحول، في المقابل، إلى تجربة ناجحة إذا استطاعت بناء اتفاق سياسي يتجاوز اقتسام المناصب إلى تحديد ما ستفعله الحكومة، وكيف ستفعله، ومتى ستنجزه، ومن سيحاسب على تعثره.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا أمام الرأي العام ليس من حصل على الحقيبة الوزارية الأهم، ولا أي حزب خرج أكبر مستفيد من مفاوضات تشكيل الأغلبية، بل ما الذي سيتغير فعليا في السياسات العمومية بعد هذا التحول في موازين القوة؟
ففي النهاية، لا تُقاس قوة الحكومة بعدد الأحزاب التي توقع على اتفاقها، ولا بعدد المقاعد التي تسندها، وإنما بقدرتها على تحويل السلطة إلى مسؤولية، والبرنامج إلى إنجاز، والتمثيل الانتخابي إلى نتائج يلمسها المواطنون. وما عدا ذلك، قد لا يكون أكثر من إعادة توزيع للأدوار داخل المشهد السياسي، فيما تظل انتظارات المجتمع معلقة إلى إشعار آخر.


