هرمز الرقمي… حين يصبح الضوء تحت الماء رهينة
اعتدنا من خلال النقاشات المطروحة، أن ننظر إلى مضيق هرمز من زاوية النفط وحدها، ناقلات على سطح الماء، وأسعار تشتعل في البورصات، وغيرها من التفاصيل التي رابطنا على مواكبتنا تداعيات الحرب على المنظومة الدولية، لكن مساء 19 أكتوبر 2026 نقلت وسائل إعلام عربية عن الحرس الثوري الإيراني قوله إن 7 كابلات انترنت رئيسية تمر تحت هرمز، وعلى العدو أن يعلم أن لدينا أهدافا جديدة، جملة قصيرة، لكنها تنقل المضيق من خريطة الطاقة إلى خريطة البيانات.
التصريح لا يأتي من فراغ، فالحرب التي اندلعت في فبراير الماضي دخلت مرحلة جمود مشحون، والتهديدات الإيرانية المتداولة بحسب تقارير هذا الأسبوع باتت تشمل الكابلات البحرية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وقبل ذلك بأشهر اقترحت وكالة تسنيم المقربة من الحرس فرض رسوم عبور وتراخيص على الكابلات نفسها، وهو ما يدفع نحو التساؤل حول حقيقة امكانية قطع هذه الكابلات من عدمه، لكن قبل ذلك لا بد من طرح السؤال الجوهري، ماذا سيبقى من رهان الخليج الرقمي إن حدث ذلك؟ وما الذي يعنينا نحن في المغرب؟
تعدد السيناريوهات لا يعني تشتيت النقاش، بحيث لا بد من الدقة، رقم سبعة كابلات هو الرقم الذي تروّجه الوسائل الإيرانية منذ شهر ماي، أما شركة TeleGeography، المرجع المعتمد في خرائط الكابلات، فأحصت أربعة أنظمة نشطة تعبر المضيق، هي AAE-1 وFALCON ونظام جسر الخليج الدولي GBI وTGN-Gulf، فيما يضيف مكتب Steptoe كابل SEA-ME-WE 5، ومهما كان العدد الدقيق، فهذه الأنظمة هي الشرايين التي تربط الكويت وقطر والبحرين وجزءا من السعودية بالعالم، لكن هناك حقيقتين تغيبان عن الخطاب المتداول، الأولى أن معظم كابلات دولة الإمارات العربية المتحدة ترسو في الفجيرة على خليج عُمان، أي خارج المضيق، وأن السعودية تستمد أغلب سعتها الدولية من كابلات البحر الأحمر، والثانية أن الممر الرئيسي لبيانات أوروبا وآسيا لا يمر بهرمز بل بباب المندب والبحر الأحمر، حيث تعبر أكثر من 90% من هذه السعة بحسب الجزيرة، بعبارة أخرى، هرمز ليس زرّ إطفاء للإنترنت العالمي، لكنه نقطة اختناق حقيقية لاقتصاد رقمي خليجي بُني على فرضية الاستقرار، والتهديد الإيراني يعرف ذلك جيدا، هو لا يستهدف شبكة العالم، بل يستهدف ثقة المستثمرين في الخليج مركزا عالميا للذكاء الاصطناعي.
ويمكن حصر الوقائع السابقة في أربعة سيناريوهات. تنطلق من الأرجح نحو الأخطر، السيناريو الأول الذي يتمثل من خلاله الكابل كورقةُ ضغط لا هدف وهو السيناريو الموسوم بالأرجح، في تقديري ووجهة نظري المتواضعة، القيمة الأكبر للكابلات بالنسبة إلى طهران هي أن تبقى سليمة ومهددة في آن واحد، فالغموض وحده يرفع كلفة التأمين ويؤخر المشاريع، وقد توقفت فعلا أشغال المقطع الخليجي من كابل 2Africa بسبب مخاطر الحرب، ويدخل في هذا السيناريو ما يمكن تسميته القطع الإداري، بمعنى نظام تراخيص ورسوم عبور، واشتراط احتكار الصيانة، وهي أفكار طرحتها وكالة تسنيم في مايو وقدّر نائب إيراني عائداتها بما يصل إلى 15 مليار دولار، أساسها القانوني ضعيف، لأن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحمي حق المرور العابر في المضايق، وإيران وقّعتها دون أن تصادق عليها، لكن الضغط لا يحتاج إلى أساس قانوني متين كي يؤثر، أما السيناريو الثاني فيتمثل في الضرر العرضي في مسرح مُلغَم، وهو الخطر الأقرب، ليس بالضرورة أن يكون قرارا متعمدا، على اعتبار أن العالم يسجل نحو 200 حادث تلف للكابلات سنويا، نحو 1% منها فقط متعمد، والباقي مراسٍ تُجرّ وألغام وأعمال بحرية، وفي مضيق شهد زرع ألغام وهجمات على ناقلات هذا العام، يكفي حادث واحد لإسقاط كابل، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، الإصلاح لا القطع.
فسفينة الإصلاح تحتاج إلى تصاريح وضمانات أمنية وتبقى ثابتة في مكانها أياما، وبحسب TeleGeography لم تكن داخل الخليج سوى سفينة واحدة من أصل خمس لدى شركة الإصلاح الإماراتية ولنا في البحر الأحمر على سبيل المثال أعطال 2024 استغرق إصلاحها نحو ستة أشهر، فيما يتعلق بالسيناريو الثالث المتمثل في القطع المحدود والمتعمد لإيصال رسالة معينة، يستند الى قرار وخطوة طهران ضرب كابل أو اثنين، فلن يسفر عليه اطفاء الخليج، لكن الأثر سيكون غير متساو، قطر والبحرين والكويت، بتنوّعها المحدود في الكابلات، ستشعر أولا ببطء الخدمات وانقطاعات متقطعة، مع تحويل جزء من الحركة عبر الروابط البرية مع السعودية، أما الإمارات والسعودية فتملكان هامشا أوسع، هذا سيناريو الرسالة المحسوبة، أذى ملموس، ولكن دون كارثة شاملة،
السيناريو الرابع والأخير يمثل الضربة المركبة. وهو الأخطر من سابقيه، فأن يأتي قطع الكابلات متزامنا مع ضرب مراكز البيانات ومحطات الطاقة التي تغذيها، هذا ليس خيالا، ففي مارس أعلنت أمازون للخدمات السحابية أن منشأتين لها في الإمارات أُصيبتا مباشرة بمسيّرات، وفي سبتمبر أقرّت بأنها لم تستطع استعادة عدة مواقع في البحرين وموقع في الإمارات، النتيجة المحتملة شلل في المصارف والتجارة والخدمات الحكومية، وضربة قاسية لصورة الخليج مركزا للحوسبة، وللتذكير، يقدّر مركز أبحاث إماراتي، نقله مكتب Steptoe، أن توقف الخدمة عن الهند ليوم واحد بسبب ضرر كابلات المضيق قد يكلّف قطاع خدمات الإنترنت فيها 920 مليون دولار، لكن ومع كل ذلك، لهذا السيناريو حدًا ذاتيا، وهو أن إيران نفسها تعتمد على الكابلات، وقطع شرايين تمر بالهند وآسيا يعني استعداء أطراف تحرص طهران على إبقائها محايدة، لذلك أراه أقل السيناريوهات احتمالا، لكنه يصبح واردا إذا تجددت الحرب واستهدفت البنية التحتية للطاقة الإيرانية، وهو الخط الأحمر الذي لوّح الحرس بالرد عليه بأرض محروقة، الخاسر الأول من كل ما سبق من السيناريوهات الأربع، هو الحلم الخليجي لأنه يطمح ليصبح مصنعا عالميا للذكاء الاصطناعي، مشاريع مثل حرم Stargate الإماراتي المخطط بقدرة خمسة غيغاوات، أو مركز Hexagon السعودي بقدرة 480 ميغاواط، لا قيمة لها إن لم تستطع تصدير قدرتها الحاسوبية عبر كابلات آمنة، وكما لاحظ الباحث أندرياس كريغ من كينغز كوليدج، لن تلغي التهديدات طموحات الخليج، لكنها ستغيّر اقتصاديات استثمارات الذكاء الاصطناعي وجغرافيتها، ثم تأتي الهند وجنوب آسيا، المرتبطة بالخليج عبر كابلات مثل FALCON، ثم شركات السحابة العالمية التي بنت مناطق خدمة في المنطقة، أما أوروبا فخطرها المباشر من هرمز محدود، لكن هاجسها الحقيقي أن يتزامن التوتر في هرمز مع هشاشة البحر الأحمر، فيصبح شريانا الشرق الأوسط كلاهما تحت الضغط، لكن ماذا عن المملكة المغربية؟
طبعا اتصالنا الدولي لا يمر عبر الخليج، لذلك لن نشعر بالصدمة في سرعة الانترنت لكننا سنشعر بها في مواضع أخرى، في خدمات سحابية تستضيفها المنطقة، وفي أسعار الطاقة، وفي مزاج المستثمرين، في المقابل قد تفتح هذه الأزمة، في تقديري الشخصي، نافذة أمام بلادنا حين يبحث المستثمرون عن التكرار الجغرافي خارج نقاط الاختناق، يصبح الاستقرار المغربي وموقعه الأطلسي حجة لجذب مراكز البيانات، شرط أن نستوعب الدرس نفسه ولا نربط مستقبلنا الرقمي بممر وحيد، لذلك علينا أن نتقيد بمبدأ الصمود الرقمي كمنطلق اساسي لتنزيل توجيهات جلالة الملك محمد السادس نصره الله فيما يتعلق بالسيادة الرقمية، فالمنطقة بدأت تتحرك فعلا، في سبتمبر وقّعت أوريدو القطرية عقدا لنقل بيانات الخليج إلى أوروبا عبر كابل بري يعبر العراق من الفاو إلى الحدود التركية.
وطُرح مشروعا SilkLink وWorldLink البريان بالتزامات تبلغ 800 و700 مليون دولار، لكن المسارات البرية ليست بلسما سحريا، فهي أغلى وتمر بدورها في مناطق غير مستقرة. د، والأقمار المنخفضة المدار مفيدة للأسر والطوارئ، لكنها لا تحمل أحمال حوسبة بحجم دولة، ومن موقعي كمختص في الحكامة الرقمية، أرى ثلاثة دروس تتجاوز الخليج، أولا، الصمود يُقاس بالقدرة على الإصلاح، لا بعدد الكابلات، سفن إصلاح متاحة، ومخزون قطع غيار، وتراخيص سريعة، الكابل الذي يُصلح في أسبوع أهم من عشرة تنتظر ستة أشهر، ثانيا، توتر بين السيادة والتكرار، بحيث تشدد دول الخليج على إبقاء البيانات الحساسة داخل حدودها، بينما يتطلب الصمود نسخا موزعة جغرافيا، الحل في سيادة شبكية تقوم على اتفاقات مع دول موثوقة، لا على الانعزال، ثالثا وأخيرا، فراغ قانوني يجب ملؤه، نعم تحمي اتفاقية قانون البحار حق المرور، لكن لا يوجد إطار دولي صريح يعتبر الكابلات البحرية بنية مدنية محمية زمن النزاعات، وهذا ملف يستحق أن تحمله دول مثل المغرب إلى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
في الأخير، لن ينطفئ الانترنت العالمي إن قُطعت كابلات هرمز، فهذه مبالغة لا تسندها الخرائط، لكن ما سينطفئ هو فكرة أن البنية الرقمية محايدة وبعيدة عن الحروب، تصريح الحرس الثوري يعلن، بلا مواربة، أن قاع البحر صار جبهة، وأن من يملك القدرة على تهديد الضوء المارّ في الألياف يملك ورقة ضغط لا تقل عن برميل النفط، الدرس لنا في المملكة المغربية والعالم العربي والأمازيغي واضح، السيادة الرقمية لا تُبنى بمراكز البيانات وحدها، بل بتنويع المسالك والقدرة على الإصلاح والقانون الذي يحمي المنشآت المدنية، فمن يربط مستقبله بممر واحد، فقد سلّم مفتاحه لمن يسيطر على ذلك الممر.


