قلّما شهدت دائرة انتخابية واحدة، على صغر حجمها، هذا الزخم من الوزراء والبرلمانيين والوجوه المعروفة وطنياً وهم يتنافسون على مقاعدها الثلاثة. ومع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، تحوّلت بركان إلى مختبر حقيقي لقراءة اتجاهات المشهد الحزبي المغربي، حيث لا يقتصر الرهان على من سيفوز، بل على أي منطق سينتصر: منطق الثقل الحكومي، أم منطق الشعبية الرياضية، أم منطق القرب من الناخب وتجربته الميدانية.
حين يعود “رجل الميزانية” إلى مسقط رأسه
أكبر مفاجآت هذا الاستحقاق جاءت من خارج الحسابات الحزبية التقليدية. فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، اختار أن يخوض أول تجربة سياسية مباشرة له من بوابة مدينته الأصلية بركان، بعدما حسم التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة. الإعلان الرسمي جاء يوم 25 يوليوز 2026 خلال المجلس الوطني للحزب بسلا، بعد أسابيع من التداول الإعلامي والمفاوضات التي جمعته بقيادة “البام”، وعلى رأسها فاطمة الزهراء المنصوري.
ما يميز ترشح لقجع المحتمل هو اجتماع صفتين نادراً ما تتوفران لمرشح واحد: موقع حكومي حساس بحكم إشرافه على ملف الميزانية، وشعبية جماهيرية واسعة راكمها بفضل النتائج التي حققتها الكرة الوطنية في السنوات الأخيرة. الحزب من جهته لم يترك الأمر لثقل الاسم وحده، فزكّى محمد إبراهيمي، البرلماني الحالي عن الدائرة، وكيلاً للائحة إلى جانبه، في محاولة للجمع بين الوجه الوطني اللامع والخبرة المحلية المتجذرة.
“الأحرار” يحسمون الجدل الداخلي لصالح رجل الفلاحة
حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش لم يدخل السباق دون نقاش داخلي. فقبل أن يستقر الاختيار على محمد الصديقي، الوزير السابق للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، كانت هناك منافسة فعلية بينه وبين أنيس بيرو، الوزير السابق المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج. ورجّحت قيادة الحزب كفة الصديقي، استناداً إلى الرصيد الذي راكمه في الأوساط الفلاحية بإقليم يُعتبر بحق العاصمة الفلاحية لجهة الشرق، خصوصاً في مجال الحوامض، عبر إشرافه على تنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر”.
هذا الاختيار يمنح “الحمامة” حضوراً تأطيرياً قوياً بفضل الخبرة الحكومية للمرشح وشبكة علاقاته الواسعة، وقد عزّزت النتائج الإيجابية التي حققها الحزب في الانتخابات الجزئية الأخيرة بالإقليم من معنويات مناضليه. لكن الصديقي لن يخوض معركة سهلة: فبصفته ممثلاً لحزب حكومي، سيُطالَب بتقديم حصيلة ملموسة أمام ناخب لم يعد يكتفي بالمواقع والألقاب، كما سيتعين عليه رأب الصدع التنظيمي الذي أصاب فرع الحزب بالإقليم بعد استقالة عدد من الأسماء الوازنة خلال الأشهر الأخيرة.
بنعبد الله وورقة العشق الرياضي
من جهته، اختار حزب الاستقلال ألا يغيّر ورقته الرابحة، فجدّد الثقة في البرلماني حكيم بنعبد الله، رئيس نادي نهضة بركان، الفريق الذي أعاد اسم المدينة إلى واجهة الكرة الإفريقية بفضل إنجازاته القارية. الرهان هنا واضح: تحويل الحب الجماهيري للنادي إلى أصوات في صناديق الاقتراع. غير أن السؤال الذي يظل معلقاً هو مدى قدرة هذا النوع من الشعبية “الموسمية” على الصمود والتحول إلى قاعدة سياسية ثابتة، بدل أن يبقى انعكاساً لحالة حماس مرتبطة بنتيجة كروية أو موسم رياضي بعينه.
قاوري وامتحان استعادة الناخب الغائب
بعد الانتكاسة التي عرفها حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021، يعود الحزب إلى بركان بترشيح مصطفى قاوري، البرلماني السابق صاحب التجربة التشريعية المتراكمة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاسم بقدر ما يكمن في القدرة على إقناع قاعدة انتخابية ابتعدت بكثافة عن الحزب في الدورة الماضية بأن الدروس استُخلصت فعلاً. رهان صعب، لكنه ليس مستحيلاً بالنظر إلى تجربة المرشح ومعرفته بملفات الدائرة.
قوى صاعدة وأصوات لا يمكن تجاهلها
المشهد لا يقتصر على الأحزاب الأربعة الكبرى. فحزب الاتحاد الاشتراكي استقطب الامين العام السابق لحزب القوات المواطنة الدكتور وائل محمد عواد، حاملاً خطاباً موجهاً بالأساس للشباب والكفاءات الطامحة لتجديد النخب السياسية. أما حزب الديمقراطيين الجدد فيراهن على فاعلين جمعويين معروفين بحضورهم اليومي وقربهم من هموم الناس، في حين يخوض حزب التقدم والاشتراكية المعركة بترشيح فاطمة الزهراء الماحي، بخطاب يساري يضع العدالة الاجتماعية والمجالية في صلب اهتماماته.
ولا يمكن لأي قراءة جادة لهذا المشهد أن تتجاهل الحركة الشعبية ومرشحها عزيز لطرش، فالحزب لا يزال يملك حضوراً راسخاً في العالم القروي بالإقليم بفضل شبكة أعيانه ومنتخَبيه المحليين، وهي شبكة أثبتت مراراً قدرتها على قلب الموازين يوم الاقتراع بعيداً عن ضجيج الحملات الإعلامية في المدن. وتحضر أيضاً أسماء أخرى تُضفي على السباق مزيداً من التنافسية، فقد اختار حزب الاتحاد الدستوري المراهنة على وجه ليس غريباً عن قبة البرلمان، إذ زكّى الدكتور محمد الزردالي، البرلماني السابق الذي يعود إلى الواجهة بقوة معتمداً على تجربته التشريعية السابقة ومعرفته بملفات الدائرة، في محاولة من الحزب لاستثمار هذا الرصيد لاستعادة موقعه التمثيلي بالإقليم. ومن بين الأسماء التي تُدخل عنصر المفاجأة على المعادلة، يبرز رجل الأعمال جمال الدين العموري، الذي حظي بتزكية رسمية لقيادة لائحة حزب جبهة القوى الديمقراطية بإقليم بركان، بدعم مباشر من الأمين العام للحزب المصطفى بنعلي.
السؤال الذي يطرحه كل ناخب اليوم
يلاحظ متتبعو المشهد السياسي بالإقليم تحولاً لافتاً في سلوك الناخب البركاني، الذي بات يميل أكثر فأكثر إلى الحكم على المرشح من خلال منجزه الفعلي وتجربته الملموسة، لا فقط من خلال يافطته الحزبية، وهو توجه يتقاطع مع ما رصده مراقبون في دوائر انتخابية أخرى بالمغرب خلال المحطات الأخيرة. وفي نهاية المطاف، وأياً كانت أسماء الوزراء والبرلمانيين والكفاءات المتنافسة، سيبقى صندوق الاقتراع هو الحكم الأخير، أمام ناخب لم يعد يسأل “من أنت؟” بقدر ما يسأل: “وماذا ستفعل لي أنت بالذات؟“

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
