بعد ثماني سنوات من جدلٍ لم يهدأ، حسمت الحكومة أمرها: المغرب عائدٌ إلى الساعة القانونية (توقيت غرينتش)، وداعاً للساعة الإضافية التي أثقلت كاهل يوميات المغاربة منذ 2018. أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الخميس 25 يونيو 2026، أن القرار جاء استجابةً لمطالب المواطنين، فيما أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس أنه قرارٌ نهائيٌّ لا رجعة فيه، مسنودٌ بالمرسوم رقم 2.26.530، يقضي بتأخير عقارب الساعة ستين دقيقة عند الثانية صباحاً من يوم الأحد 20 شتنبر 2026، ناسخاً بذلك مرسوم أكتوبر 2018 الذي كرّس العمل بالتوقيت الصيفي على مدار السنة.
في ظاهر الأمر، هذا خبرٌ يستحق الترحيب، بل الاحتفاء: قرارٌ طال انتظاره من ملايين الأسر المغربية التي عانت من اضطراب إيقاعها اليومي — أطفالٌ يقصدون مدارسهم في عتمة الفجر، ومرضى وعمّال اختلّت ساعتهم البيولوجية، ودراساتٌ متعاقبة خلصت إلى أن المكسب الاقتصادي المفترض من “توفير الطاقة” كان ضئيلاً مقابل كلفةٍ صحية واجتماعية باهظة. بهذا المعنى، فإن القرار انتصارٌ لصوتٍ شعبيٍّ ظلّ يعلو منذ ولايتين حكوميتين متعاقبتين دون أن يُستجاب له.
غير أن المواطن اليقظ، أينما كان موقعه من خريطة الوطن، يطرح سؤالاً مشروعاً قبل أن يمنح القرار ثقته الكاملة: لماذا الآن بالذات؟
التوقيت الذي يفضح التوقيت
لا تحتاج المفارقة إلى عناء كبير لاكتشافها. سريان التغيير يبدأ يوم الأحد 20 شتنبر 2026، بينما الانتخابات التشريعية محدَّدة ليوم الأربعاء 23 شتنبر من الشهر نفسه. بعبارةٍ أخرى، ستتأخر عقارب الساعة قبل ثلاثة أيامٍ فقط من فتح صناديق الاقتراع، وفي عزّ الحملة الانتخابية الرسمية الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر.
والسؤال الذي يفرض نفسه على كل ناخبٍ مغربي، من طنجة إلى الكويرة ومن وجدة إلى العيون: إذا كان الضرر معروفاً منذ 2018، وإذا كانت العرائض والدراسات والاحتجاجات المدنية قد طرحت الملف مراراً وتكراراً دون استجابة، فلماذا انتظرت الحكومة آخر أسابيع ولايتها لتقدّم هذا “المكسب” على طبقٍ انتخابي؟ ولماذا اختير توقيتٌ يجعل أول استفادةٍ ملموسةٍ من القرار متزامنةً بالضبط مع لحظة طلب الأصوات؟
المواطن لا ينتظر جواباً مؤسساتياً معلَّباً، بل يطلب صدقاً في النوايا: هل نحن أمام إصلاحٍ يُملي عليه منطق المصلحة العامة وحدها، أم أمام ورقةٍ تُلعب في الوقت بدل الضائع من عمر الحكومة؟
أثر القرار على يوميات المغاربة: التلميذ والفلاح والأسرة
بعيداً عن حسابات السياسة، للقرار وقعٌ مباشر وملموس على حياة المغاربة في مختلف الجهات.
على مستوى التمدرس: في المناطق التي تطول فيها ليالي الشتاء ويتأخر بزوغ الفجر — سواء في الشمال أو الشرق أو الأطلس المتوسط أو المناطق الجبلية عموماً — كان التلاميذ يغادرون بيوتهم نحو المدارس قبل شروق الشمس، يقطعون طرقاً غير مضاءة في بردٍ قارس. العودة إلى التوقيت القانوني تعني فجراً أبكر ومدرسةً في وضح النهار، وهو ما يخدم سلامة التلميذ ويقظته الذهنية وتحصيله الدراسي. هنا يستحق القرار أن يُحسب للحكومة، شريطة أن يُواكَب تنزيله بتتبّعٍ فعليٍّ لآثاره على الموسم الدراسي.
على مستوى العالم القروي: ظلّ الفلاح المغربي، من سهول الغرب إلى ضفاف ملوية وبساتين الحوامض بالشرق، يردّد أن إيقاع عمله محكومٌ بالشمس لا بالمرسوم. الساعة الإضافية باعدت بين توقيت العمل الفلاحي الطبيعي وتوقيت الأسواق والإدارات، فاضطرب جني المحاصيل وتسويقها في الساعات الأولى من الصباح. العودة إلى التوقيت القانوني تعيد المواءمة بين ساعة الإنسان وساعة الأرض. لكن السؤال يبقى معلّقاً: هل رافقت هذا القرار أيّ مواكبةٍ حقيقيةٍ لمطالب الفلاح في الماء والتسويق ومردودية المحاصيل، أم أن الساعة وحدها ستُقدَّم للرأي العام بوصفها “الإنجاز الكافي”؟
على مستوى الأسرة: بالنسبة لملايين الأسر المغربية، يعني القرار عودةً إلى إيقاعٍ بيولوجيٍّ أقرب إلى الطبيعة، وتخفيفاً من اضطراب النوم الذي طال الصغار والكبار على حدٍّ سواء طيلة ثماني سنوات.
قراءة سياسية: بين الإصلاح والتوظيف
لا يمكن فصل توقيت الإعلان عن سياقه الانتخابي. فحكومة أخنوش تخوض، في الأسابيع الأخيرة من ولايتها، معركة إقناعٍ صعبة أمام ناخبٍ متعبٍ من وعودٍ سابقة ومن أزمة ثقةٍ متجذرة تجاه الأحزاب السياسية عموماً. وقرارٌ يمسّ يومية كل مغربي، من دون كلفةٍ ماليةٍ مباشرة، يبدو مادةً انتخابيةً مثالية: ملموسٌ، بسيطٌ، ولا يحتاج إلى تفسيراتٍ معقّدة.
هذا لا يعني بالضرورة أن القرار “مُصطنَع” أو أنه خالٍ من أي مضمونٍ إصلاحي حقيقي؛ فالمطلب قديمٌ ومشروع، والدراسات التي دعمته موجودة وموثّقة. لكن التزامن الدقيق بين موعد التطبيق وموعد الاقتراع يمنح خصوم الحكومة، ومعهم قطاعٌ من الرأي العام، مادةً كافيةً للتشكيك في النية، حتى وإن كانت النتيجة على الأرض إيجابية.
وهنا يكمن جوهر النقاش الديمقراطي السليم: لا يجب أن يُقاس القرار العمومي بمضمونه فقط، بل أيضاً بشفافية سياقه وتوقيته، خاصةً حين يصدر عن حكومةٍ في أواخر ولايتها، وقبيل استحقاقٍ يحدّد من سيتولى تدبير الشأن العام لخمس سنوات مقبلة.
كلمة أخيرة
العودة إلى الساعة القانونية، في جوهرها، خطوةٌ صائبةٌ ينتظرها المغاربة منذ سنوات، وتخدم التلميذ والفلاح والأسرة في مختلف جهات المملكة. لكن الإصلاح الحقيقي يُقاس بنزاهة دوافعه قبل سلامة مضمونه. وحين يأتي القرار في آخر محطةٍ من عمر الحكومة، وعلى بُعد ثلاثة أيامٍ فقط من فتح صناديق الاقتراع، يصبح من حق الناخب المغربي أن يميّز بين استجابةٍ لصوته وبين استثمارٍ في صوته.
فالمواطن لا يطلب من الحكومة أن تكفّ عن الإصلاح قرب موعد الانتخابات، بل يطلب منها أن تُصلح بصدقٍ في كل وقت، لا أن تدّخر إصلاحاتها لتُقدَّم هدايا انتخابية في اللحظة الأخيرة.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
