نقطة واحدة، عالمان: العمومي والخصوصي في ميزان البكالوريا
كل صيف، تُقاس قيمة التلميذ بمعدل واحد على ورقة واحدة. لكن خلف هذا الرقم المتماثل شكلاً، توجد مدرستان لا تتقاسمان الإمكانات نفسها، ولا الفرص نفسها، ولا حتى معايير التقييم نفسها في كثير من الأحيان. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح هذه السنة ليس فقط: من تفوّق؟ بل: تفوّق وفق أي قواعد، ومن أي موقع انطلاق؟
نقطة متماثلة، مسارات غير متكافئة
حين يحصل تلميذان من مؤسستين مختلفتين على معدل متقارب في البكالوريا، يُفترض أنهما خضعا لمسار تربوي متكافئ. لكن الواقع الميداني يقول غير ذلك غالباً. فالقطاع الخصوصي بالمغرب نجح خلال العقدين الأخيرين في ترسيخ نفسه كمنافس قوي للمدرسة العمومية، واستطاع جذب أعداد متزايدة من التلاميذ والتلميذات عبر منهجية عمل مختلفة في التأطير والمتابعة، وإن كان ذلك لا يعني أن هذا القطاع خالٍ من الهفوات والثغرات الخاصة به. فالتعليم الخصوصي نجح في فرض منهجية اشتغاله وسط المجتمع المغربي بكل المدن والقرى، وشكّل للتعليم العمومي منافساً قوياً جلب إليه أعداداً وافرة من التلاميذ والتلميذات، رغم أن ذلك لا يعني أنه مجرد من الهفوات والنقائص.
جغرافيا الفرصة: حيث يربح الاستثمار، تُبنى المدرسة
الفارق لا يتوقف عند أسلوب التدريس، بل يبدأ من الموقع الجغرافي نفسه للمؤسسة. فالمدارس الخصوصية لا تتوزع بشكل عشوائي على التراب الوطني، بل تتبع منطق السوق أكثر من منطق الحاجة التربوية. إذ تتمركز جل استثمارات التعليم الخاص في المدن ذات العوائد المادية العالية، وهو ما يعني عملياً أن تلميذاً في مدينة كبرى ذات قدرة شرائية مرتفعة يجد أمامه خيارات تربوية لا تتوفر بالقدر نفسه لتلميذ في إقليم هامشي أو منطقة قروية، حتى داخل الجهة الواحدة. هذا التوزيع غير المتكافئ للعرض التربوي يحوّل “الاختيار” بين العمومي والخصوصي إلى امتياز مرتبط بالعنوان البريدي قبل أن يكون مرتبطاً بالرغبة أو الجدارة.
السخاء في التنقيط: سؤال لا يجوز تجاوزه
أحد أكثر الملاحظات تكراراً في النقاش العمومي حول نتائج البكالوريا هو التفاوت بين النقط الممنوحة في المراقبة المستمرة داخل بعض المؤسسات الخصوصية، ومعدلات هؤلاء التلاميذ أنفسهم في الامتحان الوطني الموحد الذي تُصحَّح أوراقه في إطار مغفل الهوية. هذا التباين، حين يتكرر بشكل لافت، يثير تساؤلاً مشروعاً حول معايير التقييم الداخلي في بعض المؤسسات، لا حول جدارة التلاميذ المتفوقين بصدق، الذين يبقون الأغلبية الساحقة. المطلوب هنا تدقيق مؤسساتي هادئ يحمي مصداقية الشهادة الوطنية لكل التلاميذ، عموميين وخصوصيين على حد سواء، لا حملة تشكيك تُسيء لمتفوقين حقيقيين.
الكلفة الاجتماعية لهذا الانقسام
حين تتحول المدرسة إلى سلعة تُباع بحسب القدرة على الدفع، فإن النتيجة ليست مجرد فارق في جودة التعليم، بل إعادة إنتاج للفوارق الاجتماعية القائمة أصلاً. الدراسات التربوية التي تناولت اختيارات الأسر المغربية بين القطاعين غالباً ما تستحضر أطراً نظرية مثل نظرية “إعادة الإنتاج” لبيير بورديو، التي تربط بين الموقع الاجتماعي للعائلة ومسار أبنائها التعليمي، أكثر مما تربطه بالكفاءة الفردية المحضة. وحين تتقاطع هذه الديناميكية مع غياب تكافؤ الفرص الجغرافي والمادي، تتحول المدرسة من مصعد اجتماعي إلى أداة لتثبيت الفوارق القائمة. والنتيجة في النهاية فوارق اجتماعية كبيرة، وخريجون بلا فرص حقيقية، وأحلام شباب لا تتحقق، بصرف النظر عن المعدل المكتوب على الشهادة.
نحو ميزان أكثر عدلاً
الخروج من هذه المعادلة لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات حول “تكافؤ الفرص”، بل إلى إجراءات قابلة للقياس. فتحسين جودة المدرسة العمومية يمر أولاً عبر الاستثمار في بنيتها التحتية والتكوين المستمر لأساتذتها وتقليص الاكتظاظ داخل أقسامها، إلى جانب دعم مخصص للمؤسسات في المناطق النائية والبوادي لتضييق الفارق المجالي، وربط المسار التعليمي بحاجيات سوق الشغل الفعلية، وأخيراً تشجيع شراكة حقيقية بين القطاعين العمومي والخصوصي تستفيد من خبرات الثاني دون أن تتنازل عن مجانية وجودة الأول. هذه الإجراءات الأربعة تحديداً تتكرر في أغلب التشخيصات الجادة لإصلاح القطاع.
في النهاية، لا يكفي أن نسأل كل صيف: من تفوّق هذه السنة؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: هل كان أمام كل التلاميذ، عموميين وخصوصيين، في المدينة والقرية، نفس خط الانطلاق؟ فالمعدل وحده لا يروي القصة كاملة، إلا إذا قرأناه في سياق المدرسة التي صنعته، والشروط الاجتماعية التي مهّدت له أو وقفت في طريقه.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
