كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن جهة الشرق تحتل المرتبة الثانية وطنيًا في معدلات البطالة، إذ بلغت النسبة 14,9 بالمائة خلال الفصل الأول من 2026، متجاوزةً المعدل الوطني البالغ 10,8 بالمائة بأربع نقاط كاملة.
والأكثر إثارةً للقلق أن معدل مشاركة ساكنة الجهة في سوق الشغل لا يتجاوز 37 بالمائة، وهو من أدنى المعدلات وطنيًا، مما يعني أن شريحة واسعة من الشباب لم تعد تبحث أصلًا عن عمل.
تأتي هذه الأرقام في وقت تتوالى فيه إعلانات الاستثمار بالجهة، مما يطرح تساؤلًا مشروعًا: متى تتحول هذه المشاريع الكبيرة إلى وظائف حقيقية يلمسها أبناء الجهة في حياتهم اليومية؟
ترتيب وطني يكشف حجم الفجوة
بحسب البحث الجديد حول القوى العاملة الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط وفق المعايير الدولية المعتمدة من طرف منظمة العمل الدولية، لم تتصدر جهة الشرق قائمة الجهات الأكثر معاناة من البطالة، إذ سبقتها جهة العيون-الساقية الحمراء بمعدل 20,3 بالمائة، بينما جاءت جهة الشرق ثانيًا بـ14,9 بالمائة، تليها كلميم-واد نون بـ14,8 بالمائة، ثم فاس-مكناس بـ14,2 بالمائة.
هذا الترتيب يضع الجهة الشرقية ضمن دائرة الجهات الأربع الأكثر تضررًا من ظاهرة البطالة على المستوى الوطني، في وقت سجلت فيه جهات أخرى معدلات أقل بكثير، مثل الداخلة-وادي الذهب بـ5,7 بالمائة، أو طنجة-تطوان-الحسيمة بـ7,3 بالمائة، وهو تفاوت جهوي صارخ يعكس اختلالًا بنيويًا في توزيع فرص الشغل بين جهات المملكة.
معدل المشاركة.. المؤشر الأخطر
إذا كانت نسبة البطالة تعكس عدد الباحثين عن عمل الذين لم يجدوه، فإن معدل المشاركة في سوق الشغل يكشف جانبًا أعمق من الأزمة. فحين لا يتجاوز هذا المعدل بجهة الشرق 37 بالمائة، فهذا يعني أن أكثر من ستة من كل عشرة أشخاص في سن العمل ليسوا لا مشتغلين ولا باحثين عن شغل، سواء بسبب اليأس من إيجاد فرصة، أو التوجه نحو الهجرة، أو الانخراط في اقتصاد غير مهيكل لا تعكسه الإحصائيات الرسمية.
هذا الانسحاب الصامت من سوق الشغل قد يكون أخطر من رقم البطالة نفسه، لأنه يشير إلى فقدان الثقة في جدوى البحث عن عمل أصلًا، وهي ظاهرة تطال بشكل خاص فئة الشباب وحاملي الشهادات في مدن مثل وجدة وبركان والناظور.
استثمارات كبرى.. وسوق شغل لا يستجيب
المفارقة التي يطرحها هذا التقرير أن جهة الشرق ليست جهة مهمَلة من حيث الإعلانات الاستثمارية. فمشاريع كبرى تتوالى الحديث عنها، من محطة الطاقة الريحية بالجهة إلى مشاريع الطرق السيارة والموانئ، مرورًا بالمنطقة الصناعية بالسلوان ومشاريع الطاقات المتجددة، إضافة إلى الدينامية التي يعرفها القطب السياحي بالسعيدية.
غير أن هذه المشاريع، على أهميتها الاستراتيجية، لم تُترجم بعد إلى تحسن ملموس في مؤشرات التشغيل الجهوية. فجزء كبير من هذه الاستثمارات إما لا يزال في طور الإنجاز، أو يتطلب يدًا عاملة متخصصة لا تتوفر عليها بالضرورة الكفاءات المحلية، أو يخلق فرص شغل مؤقتة مرتبطة بمرحلة البناء أكثر من كونها وظائف قارة ومستدامة.
قراءة في الأسباب البنيوية
تتقاطع عدة عوامل لتفسير استمرار جهة الشرق في مراتب متقدمة ضمن خريطة البطالة الوطنية:
- ضعف التنويع الاقتصادي: اعتماد الجهة تاريخيًا على قطاعات محدودة، مع تأخر نسبي في جذب الاستثمار الصناعي مقارنة بجهات أخرى كطنجة أو الدار البيضاء.
- الموقع الحدودي: استمرار إغلاق الحدود مع الجزائر أثّر لعقود على الدينامية التجارية والاقتصادية للمنطقة، رغم محاولات التعويض عبر مشاريع تنموية بديلة.
- الهجرة الداخلية للكفاءات: توجه نسبة مهمة من الشباب المتعلم نحو جهات أخرى أو نحو الهجرة الخارجية بحثًا عن فرص أفضل.
- الفجوة بين التكوين وسوق الشغل: استمرار عدم التطابق بين مخرجات التكوين المهني والجامعي من جهة، وحاجيات المشغلين الفعليين من جهة أخرى.
أي أفق للتحسن؟
يبقى السؤال الجوهري متعلقًا بالقدرة على تحويل الزخم الاستثماري الحالي إلى نتائج فعلية على مستوى التشغيل، وهو ما يتطلب مقاربة مندمجة تشمل:
- تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى وربطها بآليات لتشغيل اليد العاملة المحلية بالأولوية.
- تعزيز برامج التكوين المهني المؤهِّل بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة بالجهة، خصوصًا الطاقات المتجددة والسياحة واللوجستيك.
- دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولة الذاتية كرافعة لامتصاص جزء من البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
- مواكبة الفئات التي غادرت سوق الشغل، عبر برامج تحفيزية لإعادة إدماجها بدل تركها خارج الإحصائيات وخارج الدورة الاقتصادية.
كلمة أخيرة
بين رقمين يبدوان متناقضين، أرقام استثمار متصاعدة، وأرقام بطالة متعثرة، تظل جهة الشرق أمام اختبار حقيقي لمصداقية النموذج التنموي المعلن. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت المشاريع ستأتي، بل: كم من هذه المليارات سيتحول فعليًا إلى بطاقة عمل في يد شاب من وجدة أو بركان أو الناظور، قبل أن يتحول الانتظار نفسه إلى سبب إضافي للانسحاب من سوق الشغل؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
