شعار جريدة البوصلة

الناخب المغربي أمام الذكاء الاصطناعي.. فرصة لفهم الانتخابات أم خطر على الاختيار؟

صورة حول الانتخابات والذكاء الاصطناعي

مع اقتراب انتخابات 2026، تطرح أدوات الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول الوصول إلى المعلومة السياسية، مقارنة البرامج، ومواجهة التضليل الرقمي.

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، لا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد الانتخابي المغربي باعتباره مجرد أداة جديدة لإنتاج الصور والفيديوهات أو صياغة المنشورات، بل باعتباره تكنولوجيا يمكن أن تغير الطريقة التي يحصل بها الناخب على المعلومات السياسية ويفهم بها البرامج الانتخابية ويقارن بين المرشحين. وقد التقطت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري هذا التحول ضمن الإطار التنظيمي الجديد للانتخابات، بعدما خصص قرارها رقم 50-26 مقتضيات لمواجهة التضليل المرتبط بالذكاء الاصطناعي وتنظيم المحتويات الانتخابية المولدة بهذه التكنولوجيا.

الإضافة المحتملة للذكاء الاصطناعي لا تبدأ عند الأحزاب، وإنما عند الناخب نفسه. فبإمكان الأدوات الذكية، من حيث المبدأ، أن تساعد المواطن على قراءة برامج انتخابية طويلة، واستخراج أبرز وعودها، ومقارنة مواقف الأحزاب بشأن ملفات محددة مثل التشغيل والتعليم والصحة والضرائب، أو تبسيط المصطلحات السياسية والقانونية التي قد تجعل البرامج الانتخابية صعبة القراءة بالنسبة إلى غير المتخصصين. ويمكن كذلك أن تساعد التقنيات الذكية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على تنظيم كميات كبيرة من المعطيات الانتخابية، ومقارنة التصريحات والبرامج ورصد التناقضات، بما قد يجعل الوصول إلى المعلومة السياسية أكثر سهولة. غير أن هذه الإمكانات لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختار نيابة عن المواطن؛ فالقرار الانتخابي يظل في جوهره قراراً سياسياً وقيمياً لا يمكن اختزاله في توصية تنتجها خوارزمية.

وهنا تظهر الوجه الآخر للتحول. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أيضاً أن يجعل التضليل السياسي أكثر إقناعا وأقل كلفة، من خلال إنتاج صور أو أصوات أو مقاطع فيديو تبدو حقيقية، أو صياغة كميات كبيرة من الرسائل الموجهة إلى فئات مختلفة من الناخبين. ولهذا لم تكتفِ «الهاكا» بالتنبيه إلى خطر الأخبار الزائفة، بل نص قرارها على منع بث مضامين انتخابية مزيفة أو مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي متى كان من شأنها تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة النقاش الديمقراطي، مع إلزام المحتويات المولدة لأغراض تربوية أو تفسيرية بوسم واضح ودائم يبين استخدام الذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي الأعمق قد لا يكون في المحتوى المزيف وحده، بل في أن يبدأ الناخب نفسه بالاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير أو مقارنة أو حتى توصية سياسية. فدراسات حديثة بدأت تبحث في كيفية تعامل نماذج الذكاء الاصطناعي مع الأحزاب والمرشحين، وما إذا كانت صياغة السؤال أو طريقة توجيه النموذج يمكن أن تؤثر في النتيجة التي يقدمها للمستخدم. وهذا يفتح سؤالاً جديداً في الانتخابات: إذا كان المواطن قد انتقل من محرك البحث إلى المساعد الذكي للحصول على المعلومة السياسية، فمن يضمن أن تكون الإجابة التي يحصل عليها متوازنة وكاملة وغير منحازة؟

لهذا، قد يكون الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 ليس على قدرة الأحزاب على استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى أكثر جاذبية، وإنما على قدرة المنظومة الانتخابية والإعلامية والمواطن نفسه على تحويل التكنولوجيا إلى أداة لفهم السياسة لا للتلاعب بها. فالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تربط صراحة بين التعددية الإعلامية وحق المواطنين في الحصول على معلومات متنوعة وموثوقة تمكنهم من تكوين رأي حر والتصويت عن وعي؛ ومن هذه الزاوية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لتقوية الاختيار الديمقراطي إذا استُخدم للمقارنة والتحقق والتفسير، لكنه قد يتحول إلى عامل إضعاف له إذا أصبح وسيلة لإغراق الناخب بالمحتوى المضلل أو توجيه قراره دون أن يدرك ذلك.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *