شعار جريدة البوصلة

بين المبدأ والمقعد: الوجه الآخر للترحال السياسي

الترحال

ايوب عصمان: باحث في العلوم السياسية و الدستورية

لم يكن تغيير المواقف في حد ذاته يوما عيبا أو جريمة في الفكر السياسي، فالمراجعات الفكرية وإعادة النظر في المواقف وحتى الانتقال من موقع سياسي إلى آخر، أمور عرفتها مختلف التجارب الديمقراطية، ففي نهاية المطاف السياسي ليس كائنا جامدا، ومن الطبيعي أن تتغير بعض قناعاته عندما تتغير الظروف، أو عندما يكتشف أن موقفا كان يتبناه بالأمس لم يعد في نظره صالحا لليوم، بل إن القدرة على مراجعة الذات، قد تكون أحيانا دليلا على الشجاعة والنضج وليس العكس.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تغيير الموقف عادة، وعندما يتحول الانتقال السياسي من نتيجة لقناعة جديدة إلى وسيلة للوصول إلى موقع جديد، هنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام مراجعة فكرية حقيقية، أم أمام ترحال سياسي لا تحكمه سوى حسابات المصلحة؟

المعضلة الحقيقية التي تخنق المشهد اليوم لا تتعلق بحق السياسي في مراجعة مواقفه، فهذا حق لا يمكن مصادرته، وإنما تتعلق بالكيفية التي تتم بها هذه المراجعات، وبالسرعة القياسية التي يتحول بها الشخص من النقيض إلى النقيض، دون أن يكلف نفسه عناء شرح ما الذي تغير، ولماذا تغير، وماذا بقي من قناعاته السابقة. كيف يمكن لعقل عاقل أن يستوعب مسار فاعل سياسي يتنقل، في ظرف عقد واحد فقط، بين أربعة معاطف إيديولوجية متناقضة؟

يبدأ اشتراكيا ينادي بتدخل الدولة والتضامن الاجتماعي، ثم يتحول، بقدرة قادر، إلى ليبرالي اجتماعي يسبح بحمد حرية السوق، ليصبح بعد سنوات قليلة محافظا يرتدي ثوب الوسطية والاعتدال، قبل أن يعود مجددا إلى الجلابيب الاشتراكية وكأن شيئا لم يكن. قد يقول قائل إن السياسة ليست علما دقيقا، وإن المواقف تتغير بتغير الظروف، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن هناك فرقا بين أن يغير السياسي موقفه لأن الواقع فرض عليه إعادة التفكير، وبين أن يغير موقعه كلما تغيرت موازين القوة داخل الساحة السياسية، الفرق ببساطة هو فرق بين القناعة والمصلحة.

وهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل: ماذا تغير بالضبط؟ هل تغيرت أفكار السياسي، أم تغيرت الظروف المحيطة به فقط؟ هل اكتشف بعد سنوات أن المشروع الذي دافع عنه كان خاطئا، أم أنه اكتشف فقط أن المشروع الآخر يوفر له حظوظا أكبر في الوصول إلى الموقع الذي يريده؟ هذا السلوك لا يمكن تصنيفه بسهولة ضمن النضج الفكري أو المراجعة السياسية، ففي بعض الحالات يبدو الأمر أقرب إلى تخبط سياسي يتغير فيه السياسي جلده او كما نقول (قلب الفيستة) بحسب حرارة الموسم واتجاه الرياح الانتخابية، بعبارة أخرى لا يمكن بلع هذه التبريرات بسهولة، ما نراه مجرد انحراف صريح يغير فيه السياسي موقفه ببرودة تامة

إذا انطلقنا من الفرضية التي تعتبر الأحزاب السياسية بوابات إيديولوجية حقيقية، تحمل مشاريع مجتمعية واضحة، فإن هذا التنقل السريع بين المواقع يكشف حالة من الخفة والتناقض الفكري لدى الفاعل السياسي، لأن الانتماء إلى حزب في الأصل ليس مجرد الحصول على بطاقة عضوية أو الترشح باسمه في الانتخابات، ولو بدرجات متفاوتة، قبول بمجموعة من الأفكار والتصورات حول المجتمع والاقتصاد والدولة. أما إذا أقررنا بأن الأحزاب لم تعد بوابات فكرية حقيقية، وأن الهوية الحزبية أصبحت تفصيلا ثانويا لا يهم كثيرا، فإننا نصطدم بالفرضية الأكثر خطورة: أن السياسة نفسها أصبحت سوقا مفتوحة، وأن الانتماء الحزبي لم يعد مرتبطا بمشروع أو قناعة، بل أصبح مجرد وسيلة للوصول.

وهنا بالضبط تظهر مشكلة الترحال السياسي، حيث تتحول العملية إلى توافق ضمني بين دكاكين تمنح التزكية لمن يضمن الأصوات ونفوذ المال، وبين «رحالة» يبحث عن أسرع ناقلة توصله إلى المقعد والموقع، الحزب يبحث عن المرشح القادر على جلب الأصوات، والمرشح يبحث عن الحزب الذي يوفر له أفضل فرصة للفوز، وفي المنتصف تضيع تلك الأشياء التي كان يفترض أن تكون جوهر العمل السياسي: الفكرة، والمشروع، والمبدأ.

وقد يبدو هذا الكلام مثاليا بالنسبة للبعض، وربما سيقال إن السياسة في الواقع أكثر تعقيدا من هذه التصورات، وإن الانتخابات تحتاج إلى مرشحين قادرين على المنافسة، وإن الأحزاب لا يمكنها أن تعيش بالشعارات وحدها. يمكنني القول انه امر صحيح، لكن عندما يصبح النجاح الانتخابي هو المعيار الوحيد، وعندما يصبح عدد الأصوات أهم من مضمون الخطاب، فإننا نكون قد انتقلنا من السياسة بمعناها الحقيقي إلى مجرد إدارة للمصالح الانتخابية، والضحية الأساسية في هذه العملية ليست فقط الأحزاب ولا السياسيون، بل المواطن نفسه. لأن المواطن عندما يذهب إلى صندوق الاقتراع، فهو لا يصوت فقط على اسم شخص، يفترض على الأقل من الناحية النظرية، أنه يصوت على تصور معين للمجتمع، وعلى برنامج، وعلى مجموعة من الأولويات، وإذا كان الشخص الذي اختاره بالأمس سيقف غدا في الجهة المقابلة تماما دون تفسير مقنع، فمن الطبيعي أن يبدأ السؤال في رأسه: لماذا أصوت أصلا؟

حين يرى الشارع أن المبادئ والشعارات ليست سوى أقمشة تفصل وتخلع حسب طلب السوق، يفقد صندوق الاقتراع جزءا من معناه، وتتحول العملية السياسية في نظر الناس إلى مسرحية صورية رديئة الإخراج. ومن هنا تحديدا يولد لنا موقف وهو العزوف عن السياسة، وهذا الأخير لا يأتي دائما لأن المواطن غير مهتم بما يحدث حوله، أحيانا يكون العكس تماما، قد يكون المواطن مهتما ويتابع ويناقش، لكنه يصل في لحظة معينة إلى قناعة مفادها أن مشاركته لن تغير شيئا، لأن الوجوه تتبدل، والشعارات تتبدل، والانتماءات تتبدل، بينما تبقى اللعبة نفسها.

وهذه ربما واحدة من أخطر النتائج التي يمكن أن ينتجها الترحال السياسي غير المبرر، فالمواطن الذي يفقد ثقته في السياسي لا يفقدها في شخص بعينه فقط، بل قد يفقد معها ثقته في المؤسسة الحزبية، وفي الانتخابات، وفي الخطاب السياسي برمته، ومع مرور الوقت تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ويصبح السياسي بالنسبة إلى جزء من الناس مجرد شخص يبحث عن منصب، والحزب مجرد محطة مؤقتة، والانتخابات مجرد موسم تتغير فيه الوعود كما تتغير اللافتات.

والأخطر من كل ذلك أن هذا الوضع يخلق نوعا من التطبيع مع الانتهازية، عندما يرى الناس سياسيين يغيرون مواقفهم باستمرار دون أن يدفعوا أي ثمن سياسي أو أخلاقي، يبدأ الأمر في التحول إلى شيء عادي، عندها يصبح الانتقال من حزب إلى حزب أمرا مألوفا، ويصبح التناقض بين خطاب الأمس وخطاب اليوم مجرد مادة للسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تمر المسألة وكأنها لا تعني شيئا، لكن بالعكس تعني الكثير.

لأن السياسة، في جوهرها، ليست فقط صراعا حول المقاعد، إنها أيضا صراع حول الأفكار، وحول تصورنا للمجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.

ولهذا فإن مراجعة المواقف ليست عيبا، والتطور الفكري ليس خيانة للماضي، بل قد يكون العكس تماما، السياسي الذي يكتشف أنه أخطأ في موقف سابق ويملك الشجاعة للاعتراف بذلك، يستحق الاحترام أكثر من سياسي يظل متمسكا بخطأ واضح فقط حتى لا يبدو متناقضا. لكن مراجعة الموقف تحتاج إلى تفسير، تحتاج إلى أن يقول السياسي للناس: كنت أعتقد كذا، ثم حدث كذا، ولذلك غيرت موقفي، أما أن يستيقظ المواطن ذات صباح ليجد الشخص نفسه في معسكر سياسي مختلف تماما، ثم يسمع منه الخطاب نفسه تقريبا ولكن بألوان جديدة، فهنا يصبح الشك مشروعا.

السياسة لا تحتاج إلى أشخاص لا يغيرون مواقفهم أبدا، بقدر ما تحتاج إلى أشخاص يعرفون لماذا يغيرونها، وهذا هو الفارق بين السياسي الذي يتطور والسياسي الذي يترحل، فهناك من يحمل معه تجربة وأفكارا ومراجعات، حتى عندما ينتقل إلى موقع جديد، وهناك من يستبدل لون ربطة العنق بلونه السياسي الجديد، ويحمل معه حقيبته وينتظر المحطة (الانتخابات) القادمة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعمل السياسي ليس أن يختلف السياسيون حول الأفكار، وإنما أن يتوقفوا عن الإيمان بها أصلا، لأن الاختلاف بين الاشتراكي والليبرالي والمحافظ والديمقراطي يمكن أن يكون صحيا ومفيدا للمجتمع، أما أن تصبح هذه التصنيفات مجرد أزياء سياسية يرتديها الشخص متى احتاج إليها، فحينها لا يعود الأمر اختلافا في الرؤى، وإنما يتحول إلى نوع من الاستهلاك السياسي للشعارات. وعندما يصبح المبدأ مجرد محطة مؤقتة، والحزب مجرد وسيلة، والشعار مجرد قناع انتخابي، فإن المواطن لن يحتاج إلى وقت طويل حتى يكتشف أن موسم الترحال السياسي لن يقدم له عرضا جديدا، مهما تغيرت الألوان واللافتات.

وفي نهاية لا شيء يقتل السياسة أكثر من سياسي لا يؤمن بما يقول، ولا شيء يقتل الديمقراطية أسرع من مواطن لم يعد يصدق ما يسمع.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *