في قاعة برلمانية شبه فارغة، صوتٌ واحد يعلو فوق ضجيج المقاعد الخشبية. نائب معارض يرفع ورقة بيضاء، يقرأ أرقاماً عن الأسعار، يهاجم، يصفّق له نفرٌ قليل، ثم يعود الجميع إلى هواتفهم. هذا المشهد يتكرر أسبوعياً منذ سنوات، وهو يختصر أزمة أعمق من مجرد خطاب سياسي: معارضة تُتقن فن النقد، لكنها تعجز عن كتابة الفصل الذي يلي “لا”.
النقد سهل، البديل مكلف
انتقاد الحكومة صناعة رابحة سياسياً بأقل تكلفة ممكنة. لا حاجة لدراسات ميزانياتية، ولا لفريق خبراء اقتصاديين، ولا حتى لتصور واضح عن كيفية إدارة الشأن العام. يكفي مقطع فيديو غاضب، وتصريح حاد، وهاشتاغ يلتقطه الجمهور المتعب من غلاء المعيشة. لكن المواطن الذي يقف أمام رف الخضر في السوق الأسبوعي، ويحسب الفرق بين ما كان يشتريه بمائة درهم قبل ثلاث سنوات وما يشتريه اليوم، لا يبحث عن من يشاركه الغضب. يبحث عمّن يملك خطة تعيد له توازنه المالي.
المعطيات هنا لا تحتمل المجاملة. أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط ارتفاعاً متواصلاً في مؤشر الأسعار الاستهلاكية خلال السنوات الأخيرة، بضغط واضح على المواد الغذائية الأساسية، فيما بقيت الأجور شبه جامدة في القطاعات الأكثر هشاشة. أمام هذا الواقع، أي معارضة تكتفي بترديد الأرقام دون اقتراح آلية عملية لدعم القدرة الشرائية، تتصرف كطبيب يشخّص المرض بدقة متناهية، ثم يغادر العيادة دون أن يكتب الوصفة.
المشاريع الكبرى: من يملك رؤية استكمالها؟
المغرب اليوم منخرط في ورش بنيوية ضخمة، من السكك الحديثة فائقة السرعة إلى البنيات التحتية المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، مروراً بمشاريع الطاقات المتجددة والموانئ الكبرى. هذه المشاريع لا تخصّ حكومة بعينها، بل تمتد عبر ولايات تشريعية متعاقبة، وتتطلب استمرارية في الرؤية بغض النظر عمّن يجلس في الأغلبية.
السؤال المشروع الذي نادراً ما يُطرح على المعارضة: ماذا لو وصلتم إلى الحكومة غداً؟ هل لديكم تصور لاستكمال هذه الأوراش، أم أن الخطاب سيتحول فجأة من “المشاريع مكلفة وغير ذات جدوى” إلى تبنٍّ كامل لها بمجرد الجلوس على كراسي الوزارات؟ هذا التناقض ليس افتراضياً؛ لقد رأيناه سابقاً حين تحولت مواقف معارضة سابقة، بعد وصولها للسلطة، إلى الدفاع عن سياسات كانت تنتقدها بشراسة بالأمس القريب.
جيل ينتظر، لا أحد يخاطبه
في المقاهي الشعبية بمدن الشرق كوجدة والناظور، وفي الأحياء المهمّشة بالمدن الكبرى على حد سواء، يجلس شباب لا يجدون في الخطاب السياسي الحالي، معارضة كان أم أغلبية، من يتحدث بلغتهم. لا عن التشغيل، ولا عن الهجرة السرية التي تحصد أرواحاً كل موسم، ولا عن فجوة رقمية تتسع بين من يملك مهارات المستقبل ومن تركه النظام التعليمي خلفه.
هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: المعارضة التي تفترض أنها صوت الشارع، غائبة عن أكثر فئة تُمثّل نبض هذا الشارع. لا برنامج واضحاً للتشغيل الذاتي، ولا رؤية لتأهيل الكفاءات الشابة لسوق شغل يتغير بسرعة، ولا حتى محاولة جادة لطرح سؤال “من سيخلف من؟” داخل الأحزاب نفسها، التي ما تزال قياداتها تتكرر منذ عقود دون تجديد حقيقي في الدم السياسي.
حين يتحول الغياب إلى دليل إدانة
المفارقة الأكثر إثارة للتفكير: كلما كانت المعارضة أكثر ضعفاً في تقديم البديل، كلما بدت الحكومة أقوى وأكثر إقناعاً، ليس لأن أداءها ممتاز بالضرورة، بل لأن غياب المنافس الحقيقي يجعل أي إنجاز، مهما كان متواضعاً، يبدو استثنائياً في غياب معيار للمقارنة. بمعنى آخر: ضعف المعارضة ليس مجرد خسارة لها، بل هدية مجانية للأغلبية.
كلمة أخيرة
حين يقترب المغاربة من صناديق الاقتراع في الثالث والعشرين من شتنبر، لن يسألوا فقط: من أخطأ في السنوات الخمس الماضية؟ سيسألون أيضاً: من يملك رواية واضحة لما بعد الانتخاب؟ فإذا كانت المعارضة تكتفي بدور المرآة التي تعكس أخطاء الحكومة دون أن تقدم صورة بديلة للمستقبل، فهل يحق لها أصلاً أن تطلب ثقة من يبحث عن أمل، لا عن مزيد من الغضب؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
