دخلت قضية أوراق التصويت التي تفجرت بمدينة طنجة خلال الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مرحلة قضائية جديدة، بعدما قرر قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بطنجة إيداع رئيس مجلس جماعة طنجة منير الليموري رهن الاعتقال الاحتياطي، على خلفية الأبحاث المرتبطة بواقعة مدرسة القدس، قبل أن تتوسع دائرة المتابعين في الملف لتشمل ثمانية أشخاص، وفق المعطيات المنشورة بشأن التحقيقات الجارية.
وجاء قرار الإيداع بعد نحو 72 ساعة قضاها الليموري تحت تدبير الحراسة النظرية، عقب توقيفه بمطار طنجة ابن بطوطة يوم 28 شتنبر، إثر عودته من مدينة مالقة الإسبانية. وكان قاضي التحقيق قد أحيل عليه الملف بعد انتهاء مرحلة البحث التمهيدي، فيما تقدمت النيابة العامة بملتمس لإجراء تحقيق في مواجهة المعني بالأمر في حالة اعتقال احتياطي.
وبحسب المعطيات التي نقلتها مصادر مطلعة عن مجريات الملف، فإن الأبحاث بدأت يوم الاقتراع، عندما تم توقيف شخص بحوزته حقيبة تضم أوراق تصويت مرتبطة بمكتب في مدرسة القدس بحي كسبارطا. وأدت التحقيقات لاحقا الى تتبع مسار الأوراق والحقيبتين، والاستماع الى عدد من الأشخاص، ثم توقيف مسؤولين عن مكاتب التصويت وأشخاص آخرين جرى الاشتباه في صلتهم بالواقعة.
وأخذ التحقيق منحى أكثر اتساعا بعد اللجوء الى الخبرات التقنية، حيث أفادت معطيات البحث باسترجاع تسجيلات كاميرات مراقبة داخل وحدة فندقية كانت قد تعرضت للمحو، قبل إخضاعها للفحص. وبحسب النيابة العامة كما نقلت عنها المعطيات المنشورة، أظهرت التسجيلات وجود الليموري رفقة محاسبه وشخصين آخرين يوجدون رهن الاعتقال الاحتياطي على ذمة القضية، كما جرى ربط الحقيبتين الظاهرتين في التسجيلات بالحقيبتين اللتين تم ضبطهما في إطار الملف.
كما شملت الخبرات التقنية فحص الهواتف والاتصالات، وأظهرت، وفق المعطيات التي أوردتها النيابة العامة، وجود اتصالات بين المشتبه فيه الثاني واثنين من المعتقلين على ذمة القضية قبل يوم الاقتراع وخلاله. وأفادت الأبحاث كذلك بأن المشتبه فيه الذي ارتبط بإخراج أوراق التصويت من مكتب الاقتراع وإعادتها كان برفقة الأشخاص الذين ظهروا في التسجيلات.
وفي تطور قضائي أكثر حساسية، وجه قاضي التحقيق الى منير الليموري تهما تتعلق بـ”انتهاك عمليات الاقتراع بهدف تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع، والمشاركة في تزوير محرر عمومي، والإرشاء عن طريق تقديم عرض ووعد وهبة بهدف الحصول على القيام بعمل”، استنادا الى المادة 58 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والفصول 352 و353 و251 و129 من القانون الجنائي.
وكان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة قد أعلن، في بلاغ سابق، توقيف مشتبه فيهما إضافيين، من بينهما محاسب بإحدى الشركات، أفادت الأبحاث الأولية بأنه شارك في وضع علامة على رمز حزب سياسي في أوراق التصويت بناء على طلب من مشغله. وقالت النيابة العامة إن الخبرات المنجزة مكنت من ربط الأشخاص والمكان والحقيبتين ومسار الأوراق، وهو ما دفعها الى التماس فتح تحقيق في مواجهة المعنيين في حالة اعتقال.
وفي موازاة المسار القضائي، اتخذ حزب الأصالة والمعاصرة قرارا تنظيميا بحق الليموري، إذ أعلنت اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات، اليوم الجمعة 2 أكتوبر، تجميد عضويته في جميع هياكل الحزب، بعد إحالة المكتب السياسي ملفه عليها. وأوضح البلاغ، وفق ما نشره الموقع الإعلامي التابع للحزب، أن القرار اتخذ استنادا الى المادة 149 من النظام الأساسي، مع التشديد على استقلالية المسطرة التأديبية عن المسؤولية الجنائية، وعلى أن هذه الأخيرة لا تثبت إلا بموجب مقرر قضائي نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
وبذلك، لم تعد القضية مقتصرة على واقعة ضبط أوراق انتخابية داخل مركز اقتراع، بل تحولت الى ملف قضائي متعدد الأطراف، ينتظر أن تحدد التحقيقات التفصيلية مدى مسؤولية كل طرف في الوقائع موضوع البحث، ومدى تأثيرها، في حال ثبوت المخالفات، على المسار الانتخابي بالدائرة المعنية. وفي المقابل، يبقى الليموري وباقي المتابعين مستفيدين من قرينة البراءة الى حين صدور أحكام قضائية نهائية، وهو المبدأ الذي أكده أيضا القرار التأديبي الصادر عن اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
